تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولن يعدم الحق أنصارا، والباطل خزيا وانكسارا.

فصل

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في كتابه (الفرقان) وهو من آخر مصنفاته، صنفه بقلعة دمشق، ما لفظه: (فإن قيل) فإذا كان في كتب الأناجيل التي عندهم أن المسيح صلب وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم، وقال لهم: أنا المسيح، ولا يقولون إن الشيطان تمثل على صورته - فالشيطان ليس هو لحم وعظم، وهذا أثر المسامير، أو نحو هذا الكلام - فأين الإنجيل الذي قال الله عز وجل فيه:

وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله

[المائدة: 47]، وقال قبل هذا:

وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون

[المائدة: 46-47]، وقال قبل هذا:

وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين * إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدآء

[المائدة: 43-44] وقال أيضا:

ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم

[المائدة: 66]، وقال أيضا:

قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين

[ألمائدة: 68]، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأهل الكتاب، الذين بعث إليهم، وهو من كان في وقتهم، ومن يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة، لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم، وكذلك قوله:

وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله

[المائدة: 43]، إخبار عن اليهود الموجودين، وأن عندهم التوراة فيها حكم الله، وكذلك قوله:

وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه

[المائدة: 47]، هو أمر من الله على لسان محمد لأهل الإنجيل، ومن لا يؤمر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، قيل قبل هذا: إنه قد قيل ليس في العالم نسخة بنفس ما أنزل الله في التوراة والإنجيل بل ذلك مبدل، فإن التوراة انقطع تواترها، والإنجيل إنما أخذ عن أربعة، ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام الله، ومنهم من قال: بل ذلك قليل، وقيل: لم يحرف أحد شيئا من حروف الكتب وإنما حرفوا معانيها بالتأويل، وهذان القولان، قال كلا منهما كثير من المسلمين، والصحيح القول الثالث، وهو أن في الأرض نسخا صحيحة، وبقيت إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخا كثيرة محرفة، ومن قال: إنه لا يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه. ومن قال: جميع النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه، وليس في القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ، وإذا كان كذلك فنقول: هو سبحانه قال:

وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه

[المائدة: 47]، وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح، فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام، ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل، من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما، ليس هو مما أنزله الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى، بل هو مما كتبوه مع ذلك للتعريف بحال توفيهما، وهذا خبر محض من الموجودين بعدهما عن حالهما، ليس هو مما أنزله الله عليهما، ولا هو مما أمرا به في حياتهما، ولا مما أخبرا به الناس وكذلك:

لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليكم من ربكم

محاسن التأويل · الصفحة ٧٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٥٤