ومنها: أن يهوذا ارتشى ليدلهم عليه، وجعل العلامة على تعيينه لهم تقبيل يده، فلو كان معلوما لهم لعرفوه بلا دلالة وبلا سؤال، مع أنه كان بين أظهرهم وفي غالب الأيام في هيكلهم.
ومنها: أنه لما أقسم عليه رئيس الكهنة أنه هو المسيح لم يقل له: أنا المسيح، بل قال له: أنت قلت.
ومنها: إنكار بطرس له وهو من أعظم رسله، وإنكاره كفر.
ومنها: أنه لما سأله الوالي: أنت هو؟ لم يرد له جوابا، فلو كان هو لاعترف وأقر.
ومنها: أنه لما كان أخذه ليلا، وقد شوهت صورته وتغيرت محاسنه بالضرب والنكال، فهي حالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه، فكيف بين الشيء وشبهه؟ فمن أين يحصل القطع بأنه هو؟ لا سيما والنصارى قد حكموا أن المسيح عليه السلام قد أعطي قوة التحول من صورة إلى صورة، ويحتمل أن المسيح ذهب من الجماعة الذين أطلقهم الأعوان، وكان المتكلم معهم تلميذ أراد أن يبيع نفسه من الله تعالى وقاية للمسيح، فألقى الله تعالى عليه الشبه، واتباع الأنبياء يفدون أنفسهم لأنبيائهم، وهذا فدى نفسه لإلهه، بزعم النصارى.
ومنها: أنه يحتمل أن الأعوان ارتشوا على إطلاقه كما ارتشى يهوذا على الدلالة عليه، وأخذوا غيره ممن يريد أن يفدي نفسه للمسيح، والدليل عليه عدم اعترافه بأنه المسيح.
ومنها: قوله عليه السلام الذي تقدم آنفا: أنا ماكث معكم زمانا، ثم أنطلق إلى من أرسلني، فتطلبوني فلا تجدوني، وحيثما أكن فلا تستطيعون إلي سبيلا، فهذا صريح في الثاني عشر من (إنجيل يوحنا) ما لفظه: قال له الجموع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يمكث إلى الأبد، فكيف تقول أنت أن ابن البشر سوف يرتفع من هو هذا ابن البشر؟ قال لهم يسوع: إن النور معكم زمانا آخر يسيرا، امشوا ما دام لكم النور، لئلا يدرككم الظلام، ومن يمش في الظلام فلا يدري أين يذهب، آمنوا بالنور ما دام لكم النور، قال يسوع هذا وذهب متواريا عنهم.
انتهى.
ففي هذا الكلام أدلة كثيرة مؤيدة لقوله تعالى: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ [النساء: 158].
منها: أن اليهود قالوا لعيسى: إن المسيح المذكور في العهد القديم يمكث إلى الأبد. أي: فإن كنت أنت المسيح فأنت لا تموت في هذا الزمان، بل تبقى إلى قيام الساعة، ولم يكذبهم في نقلهم ذلك، والمسلمون يقولون: إنه رفع حيا إلى السماء وهو الآن حي فيها، وسينزل آخر الزمان عند قرب الساعة، ويقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية، ويتوفى ويدفن عند النبي صلى الله عليه وسلم فهو حي إلى الأبد، يعني إلى قرب قيام الساعة ونزوله وموته من أمارات الساعة الكبرى، وفي هذا القول دلالات ظاهرات أيضا على أنه ليس بإله: أحدها: أنه قال: ابن البشر، يعني: لا تظنوا أني أدعي الألوهية وإن أحييت الموتى، لأن ذلك معجزة خلقها الله تعالى على يده للإيمان بنبوته.
ثانيها: لو كان إلها لما توارى منهم خائفا من قتلهم له، لأن الإله هو خالق لهم ولعملهم، وعالم بزمن قدرتهم عليه، فكيف يفر وهو يعلم وقت موته؟ وهو خالق الموت والحياة؟ ثم إنه يحتمل أن الله تعالى ألقى شبهه على شيطان أو مارد من مردة الجن ليخلص نبيه ورسوله من أيدي أعدائه، ويرفعه إليه محفوظا مكرما، كما أجري عليه يديه إحياء الموتى، وخلقه من غير أب، وأبرأ الأكمه والأبرص، لا سيما وهو بزعمهم إنه العالم وخالق الإنس والجن وبني آدم، فأي ضرورة تدعو لإثبات أنواع الإهانة والعذاب، على ما زعموا، لرب الأرباب، مع وجود التناقض فيما نقلته أناجيلهم في هذا الفصل والباب.
عجبا للمسيح بين النصارى
وإلى أي والد نسبوه
أسلموه إلى اليهود وقالوا:
إنهم بعد ضربه صلبوه
فإذا كان ما يقولون حقا
وصحيحا، فأين كان أبوه؟
حين خلى ابنه رهين الأعادي
أتراهم أرضوه أم أغضبوه؟
فلئن كان راضيا بأذاهم
فاحمدوهم لأنهم عذبوه
ولئن كان ساخطا فاتركوه