تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال لوقا في الفصل التاسع من إنجيله.

28 - إن المسيح صعد قبل الصلب إلى جبل الخليل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا.

29 - فبينما هو يصلي إذ تغير منظر وجهه عما كان عليه وابيضت ثيابه وصارت تلمع كالبرق.

30 - وإذا موسى بن عمران وإيليا.

31 - قد ظهرا له وجاءت سحابة فأظلتهم.

32 - وأما الذين كانوا مع المسيح فوقع عليهم النوم فناموا.

وهذا من أوضح الدلالات على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به، إذ لا معنى لظهور موسى وإيليا ووقوع النوم على أصحابه إلا رفعه، ألا ترى أن اليهود كانوا يسمعون منه، عليه السلام؛ أن إيليا يأتي، فلما رفعوه على الخشبة، كما في الأناجيل، قالوا: دعوه حتى نرى أن إيليا يأتي فيخلصه، فصاروا في شك يريدون تحقيقه، فإن أتى إيليا فما رفعوه هو المسيح، وإن لم يأت فهو غيره كما في ظنهم، فلما لم يأت ازدادوا ريبة في أمره، ومن رآه الحواريون بعد يقظتهم، يجوز أن يكون طورا من أطوار روحه، لأنه عليه السلام لا يبعد أن يكون له قوة التطور، وتشكل الروح بعد الموت أمر ممكن، لا سيما وقد صدرت على يديه معجزات أعظم من ذلك، كإحياء الموتى وكثرة الخبزة والحيتان وإبراء الأكمه والأبرص.

وقال يوحنا التلميذ:

1 - كان يسوع مع تلاميذه بالبستان فجاء اليهودي في طلبه.

4 - فخرج إليهم يسوع وقال لهم: من تريدون؟

قالوا: يسوع (وقد خفي شخصه عنهم)، فقال: أنا يسوع، وفعل ذلك مرتين وقد أنكروا صورته.

فانظر أيها العاقل كيف اعترف هنا أنه يسوع لما علم أن الله تعالى تولى حراسته منهم، وأنهم لا يقدرون أن ينالوه بسوء، وكيف لم يعترف بأنه المسيح لما سأله رئيس الكهنة عن نفسه فعدم اعترافه هناك واعترافه هنا دليل واضح أيضا على ما قاله الله سبحانه في القرآن العظيم هو الحق.

ثم من الأدلة على عدم قتله ما اشتملت عليه الأناجيل من اختلاف المباني والمعاني والمقاصد والاضطراب في حكاية هذه الواقعة والتناقض في ألفاظها، كدعواهم الألوهية مع قوله عليه الصلاة والسلام (عند صلبه بزعمهم): إلهي! إلهي! لم تركتني، وقوله كما في الفصل السادس والعشرين من نجيل متى:

يا أبتاه إن كان لا يمكنك أن تفوتني هذه الكأس أي: الموت ولا بد لي أن أشربها فلتكن مشيئتك، وقام يصلي، وقوله لرئيس الكهنة: إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء، يريد بالقوة البارئ تعالى شأنه، وفي الفصل السابع من إنجيل يوحنا: إن المريسيين ورؤساء الكهنة أرسلوا شرطا ليقبضوا على المسيح (يعني ليقتلوه كما قال مفسروهم) قال: أنا ماكث أيضا معكم زمانا، ثم انطلق إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدونني، وحيثما أكن فلا تستطيعون إليه سبيلا، قال اليهود في ذواتهم: فإلى أين؟ هذا عتيد أن ينطلق حتى لا نجده نحن، قال مفسروهم أي: يصعد إلى السماء، وغير ذلك مما لو أردنا ذكره والتنقير عنه لطال البحث.

ثم نقل خير الدين نحوا مما أسلفنا عن أناجيلهم وقال بعض ذلك: فأجل في تناقضها قداح فكرك، وفي تهافتها خيول ذهنك، لترى في هذه القصة ما يدلك على وقوع الشبه ونجاة المسيح عقلا ونقلا، كما قال تعالى:

ولكن شبه لهم

[النساء: 157] وليتبين لك عبوديته ورسالته عليه السلام، فإن ذلك ظاهر من العبارات، ولنزدك في البيان وضوحا بما ننبهك عليه بكلمات يسيرة مقدوحا ومشروحا.

منها: قولهم: إنه صلب قبل غروب يوم الجمعة ودفن مساءها، ولما جاءت النسوة عشية السبت المفسر صباحه عن الأحد، وجدنه فارغا، وقد قام منه المدفون، مع أن النصارى يزعمون، كما في أناجيلهم، أنه يبقى في قبره ثلاثة أيام، كما بقي يونان، أي: يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها، فما هذا إلا دليل على الاختلاق والتهافت في الأمر.

ومنها: سؤالة اليهود مرتين من تطلبون؟ وهم يقولون: يسوع الناصري، فلم يعرفوه وهو يقول لهم: أنا.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٣٦