قال الحافظ ابن كثير: وهذا الأثر غريب جدا، فإن هذه القصة مكية، ونزول الآية مدني، فلعله أراد أنها تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
الثاني: ثمرة الآية، أن من خرج للهجرة، ومات في الطريق فقد وجب أجره على الله، قال الحاكم: لكن اختلف العلماء، فقيل: أجر قصده، وقيل: أجر عمله دون أجر الهجرة، وقيل: بل له أجر المهاجرة، وهو ظاهر في سبب نزول الآية.
قال الحاكم: وقد استدل بعض العلماء أن الغازي يستحق السهم وإن مات في الطريق قال: وهو بعيد، لأن المراد بالآية أجر الثواب.
قال الزمخشري، حكاية عن المفسرين: إن كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد، أو فرارا إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة، أو زهدا في الدنيا، وابتغاء رزق طيب، فهي هجرة إلى الله ورسوله، وإن أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على الله.
ووقع في كلام الزمخشري على الآية السابقة هذا الدعاء، وهو: اللهم! إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني، فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمتك، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك، يا واسع المغفرة.
وكلامه، رحمه الله، بناه على أنه يستحب للإنسان أن يدعو الله بصالح عمله.
وقد ذكر البخاري ومسلم حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانسد عليهم بصخرة، وصوبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا كل واحد منهم بصالح عمله، وانفرجت عنهم الصخرة.
وقد اقتضت الآية لزوم الهجرة ولو ببذل مال كالحج، وفيما سبق من حديث الذي حمل من مكة وقد قال: احملوني فإني لست من المستضعفين - إشارة إلى أنها تجب الهجرة إذا تمكن من الركوب ولو مضطجعا في المحمل، لأنه حمل على سرير، وقد ذكر المتأخرون (في الحج) أن الصحيح الذي يلزمه أن يمكنه الثبات على المحمل، قاعدا لا مضطجعا، لأن أحدا لا يعجز عن ذلك، فيحتمل أن يسوى بين المسألتين، وأنه يجب الحج ولو مضطجعا، وأنهما لا يجبان مع الاضطجاع، وفعل ضمرة على سبيل الشذوذ، ويحتمل أن يفرق بينهما وتجعل الهجرة أغلظ، لأن فعل المحظور، وهو الإقامة، أغلظ من ترك الواجب، وهذا يحتاج إلى تحقيق، كذا في تفسير بعض الزيدية.
الثالث: روي في معنى هذه الآية أحاديث وافرة، منها ما في الصحيحين والسنن والمسانيد: عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال.
ومنه الحديث الثابت في الصحيحين
" في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أكمل، بذلك العابد، المائة، ثم سأل عالما: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد أخرى يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الأخرى أدركه الموت في أثناء الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة "
وفي رواية: أنه لما جاءه الموت نأى بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله، فخر عن دابته فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله "
وقوله تعالى:
﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة... ﴾.