كذا في (نيل الأوطار).
وقوله تعالى: ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ أي: إلا أن يتصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فلا تجب عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه وتنبيها على فضله. قال السيوطي في (الإكليل): فيها (أي: هذه الآية) تعظيم قتل المؤمن والإثم فيه، ونفيه عن الخطأ، وأن في قتل الخطأ كفارة ودية، لا قصاص، وأن الدية مسلمة إلى أهل المقتول، إلا أن يصدقوا بها، أي: يبرؤوا منها، ففيه جواز الإبراء من أهل الدية، مع أنها مجهولة، وفي قوله ﴿ مسلمة ﴾ دون (يسلمها) إشارة إلى أنها على عاقلة القاتل، ذكره سعيد بن جبير، أخرجه ابن أبي حاتم واستدل بقوله: ﴿ إلى أهله ﴾ على أن الزوجة ترث منها، لأنها من جملة الأهل خلافا للظاهرية، واحتج بها من أجاز أرث القاتل منها، لأنه من أهله، واحتج الظاهرية بقوله: ﴿ إلا أن يصدقوا ﴾ على أن المقتول ليس له العفو عن الدية، لأن الله جعل ذلك لأهله خاصة، وعموم الآية شامل للإمام إذا قتل خطأ، خلافا لمن قال: لا شيء عليه ولا على عاقلته، واستدل بعمومها أيضا من قال: إن في قتل العبد الدية والكفارة، وإن على الصبي والمجنون، إذا قتلا، الكفارة، وإن المشارك في القتل عليه كفارة كاملة. انتهى.
﴿ فإن كان ﴾ أي: المقتول خطأ: ﴿ من قوم عدو لكم ﴾ أي: محاربين ﴿ وهو مؤمن ﴾ فلم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه، بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن أتاهم بعد ما فارقهم لمهم من المهمات ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ أي: فعلى قاتله الكفارة، لحق الله دون الدية، فإنها ساقطة، إذ لا إرث بينه وبين أهله، لأنهم محاربون. وقال الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام: لا تؤدى الدية إليهم لأنهم يتقوون بها، ومعلوم أن سقوط الدية لمن هذه حاله أخذا من إيجاب الله تعالى على قاتله الكفارة، ولم يذكر الدية كما ذكرها في أول الآية وآخرها، وقد روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قومه وهم مشركون: فيصيبه المسلمون في سرية أو غزاة، فيعتق الذي يصيبه رقبة ﴿ وإن كان ﴾ أي: المقتول خطأ: ﴿ من قوم ﴾ أي: كفرة ﴿ بينكم وبينهم ميثق ﴾ أي: عهد من هدنة أو أمان، أي: كان على دينهم ومذهبهم ﴿ فدية ﴾ أي: فعلى قاتله دية ﴿ مسلمة إلى أهله ﴾ إذ هم كالمسلمين في الحقوق ﴿ وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ لحق الله تعالى، وتقديم الدية ههنا مع تأخيرها فيما سلف، للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق.
قال السيوطي: روى الحاكم وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وإن كان من قوم بينكم ﴾ إلخ: هو الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد، فتسلم إليهم الدية ويعتق الذي أصابه رقبة.
قال السيوطي: ففيه أن المقتول إذا كان من أهل الذمة والعهد ففيه دية مسلمة إلى أهله مع الكفارة، وفيه رد على من قال: لا كفارة في قتل الذمي، والذين قالوا ذلك قالوا: إن الآية في المؤمن الذي أهله أهل عهد، وقالوا: إنهم أحق بديته لأجل عهدهم، ويرده تفسير ابن عباس المذكور، وأنه تعالى لم يقل فيه: وهو مؤمن، كما قال في الذي قبله. انتهى.
تنبيه
استدل بالآية من قال: إن دية المعاهد حربيا أو كتابيا، كالمسلم، لأنه تعالى ذكر في كل منهما الكفارة والدية، فوجب أن تكون ديتهما سواء كما أن الكفارة عنهما سواء، إذ إطلاق الدية يفيد أنها الدية المعهودة، وهي دية المسلم. وقد أخرج الترمذي عن ابن عباس وقال: غريب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان لهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، بدية المسلمين، وأخرجه البيهقي عن الزهري أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال، قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألقى النصف وألقى ما كان جعل معاوية. وأخرج أيضا عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى ذميا دية مسلم، وفي أثري البيهقي المذكورين مقال، إذ علل الأول بالإرسال، والثاني بأن في إسناده أبا كرز، وهو متروك. وروى أحمد والنسائي والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: