تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى ابن جرير عن ابن جريج، في الآية قال: نزلت في عثمان بن أبي طلحة، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ فدعا عثمان إليه، فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.

قال السيوطي: ظاهر هذا أنها نزلت في جوف الكعبة. انتهى.

وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أن هذه الآية نزلت في الأمراء، يعني: الحكام بين الناس.

وقال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآية وجوب رد كل أمانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك، واستدل المالكية بعموم الآية، على أن الحربي إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل، إنه يجب رد وديعته إلى أهله، وأن المسلم إذا استدان من الحربي بدار الحرب ثم خرج، يجب وفاؤه، وأن الأسير إذا ائتمنه الحربي على شيء لا يجوز له أن يخونه، وعلى أن من أودع مالا وكان المودع خانه قبل ذلك، فليس له أن يجحده كما جحده، ويوافق هذه المسألة حديث:

" أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ".

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، في هذه الآية قال: مبهمة للبر والفاجر، يعني عامة.

وقد أخرج ابن جرير وغيره أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة، لما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بن طلحة، واختار ما رواه علي وغيره أنها خطاب لولاة المسلمين، أمروا بأداء الأمانة لمن ولوا عليهم، فيستدل بالآية على أن على الحكام والأئمة ونظار الأوقاف أداء الحقوق المتعلقة بذممهم من توليه المناصب وغيرها إلى من يستحقها، كما أن قوله تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾. أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به ههنا مختصا بوقت المرافعة، قيد به، بخلاف المأمور به أولا، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت أطلق إطلاقا، وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج من الظلم والاعتداء سمي عدلا.

روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ".

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا: إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر ".

وروى الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن ابن أبي أوفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ الله منه وألزمه الشيطان ".

قال الإمام ابن تيمية رضي الله عنه في رسالته (السياسة الشرعية) بعد الخطبة: هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله تعالى، وهي قوله تعالى: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها... ﴾ الآية. قال العلماء: نزلت في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ثم قال: وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها: والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، ثم قال: أما أداء الأمانات ففيه نوعان: أحدهما: الولايات وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة وطلبها العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية، فرد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة، فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٠١