وروى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة، وكان يقول في هذه الآية: ﴿ أو لمستم النسآء ﴾: هو الغمز.
وروى ابن جرير عن نافع أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس. وذكر ابن أبي حاتم أنه روي عن كثير من التابعين نحو ذلك، قالوا: ومما يؤيد بقاء اللمس على معناه الحقيقي قوله تعالى:
ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم
[الأنعام: 7]، أي: جسوه.. وقال صلى الله عليه وسلم لماعز، حين أقر بالزنى، يعرض له بالرجوع عن الإقرار:
" لعلك قبلت أو لمست؟ "
وفي الحديث الصحيح:
" واليد زناها اللمس "
وقالت عائشة: قل يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا، فيقبل ويلمس. ومنه ما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة، وهو يرجع إلى الجس باليد. واستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه أحمد عن معاذ؛
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا أتاه منها غير أنه لم يجامعها، قال فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل ﴾ [هود: 114] الآية، قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " توضأ ثم صل " ، قال معاذ: فقلت: يا رسول الله! أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: " بل للمؤمنين عامة "
ورواه الترمذي وقال: ليس بمتصل، والنسائي مرسلا، قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها.
فصل
ومن قائل: إن المعني باللمس هنا الجماع، وذلك لوروده في غير هذه الآية بمعناه، فدل على أنه من كنايات التنزيل، قال تعالى:
وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
[البقرة: 237]، وقال تعالى:
إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن
[الأحزاب: 49]، وقال في آية الظهار:
فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا
[المجادلة: 3]. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ أو لمستم النسآء ﴾ قال: الجماع. وروى ابن جرير عنه، قال: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء، وقد صح من غير وجه عن ابن عباس أنه قال ذلك، وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره، لاستجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بتعليمه تأويل الكتاب، كما أسلفنا بيان ذلك في مقدمة التفسير، ويؤيد عدم النقض بالمس ما رواه مسلم والترمذي وصححه عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول:
" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ".
وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضته بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله.
قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص): إسناده صحيح، وقوله في (الفتح): يحتمل أنه كان بحائل أو أنه خاص به صلى الله عليه وسلم، تكلف، ومخالفة للظاهر.
وعن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود: والنسائي: قال أبو داود: هو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وقال النسائي: ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلا، وصححه ابن عبد البر وجماعة. وشهد له ما تقدم وما رواه الطبراني في المعجم الصغير من حديث عمرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية، فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائما يصلي، فأدخلت يدي في شعره لأنظر: أغتسل أم لا؟ فلما انصرف قال: " أخذك شيطانك يا عائشة " ، وفيه محمد بن إبراهيم عن عائشة، قال ابن أبي حاتم: ولم يسمع منها.