ولا تقتلوا أنفسكم
[النساء: 29] وقوله:
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
[البقرة: 195]، وقوله:
وما جعل عليكم في الدين من حرج
[الحج: 78] ومما أخرجه أبو داود وابن ماجة والدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه قال:
" خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: " قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر (ويعصب) على جرحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده "
ومما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم والدارقطني عن عمرو بن العاص قال:
" احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت، أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ﴾ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا "
، فهذا وما قبله يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر. قال مجد الدين ابن تيمية: في حديث عمرو من العلم، أن التمسك بالعمومات حجة صحيحة. انتهى.
وقد روى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن كثير: هذا مرسل.
الثانية: ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة، هو المعتبر في تسويغ التيمم، كما هو الظاهر من الآية، لا عدم الوجود مع طلب مخصوص، كما قيل: إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم إذ لا دليل على ذلك، فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله أو مسجده، أو ما يقرب منهما، كان ذلك عذرا مسوغا للتيمم، فليس المراد بعدم الوجود في ذلك ألا يجده بعد الكشف والبحث وإخفاء السؤال، بل المراد ألا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه. فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة، والواجب حمل كلام الله تعالى على ذلك، مع عدم وجود عرف شرعي، وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم ما يشعر بما ذكرناه، فإنه تيمم في المدينة من جدار. كما ثبت ذلك في الصحيحين من دون أن يسال ويطلب، ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة، فهذا، كما يدل على وجوب الطلب، يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت، ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر: فقال صلى الله عليه وسلم للذي لم يعد: " أصبت السنة " ، أخرجه أبو داود والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد، فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم، سواء كان مسافرا أو مقيما، كذا في (الروضة الندية).
الثالثة: دلت الآية على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم، طال سفره أو قصر.
الرابعة: قرئ في السبع (لامستم ولمستم) والملامسة واللمس يردان، لغة بمعنى: الجس باليد، وبمعنى: الجماع، قال المجد في (القاموس) لمس يلمسه ويلمسه: مسه بيده، والجارية جامعها، ثم قال: والملامسة المماسة والمجامعة. ومن ثمة اختلف المفسرون والأئمة في المعني بذلك هنا، فمن قائل بأن اللمس حقيقة في الجس باليد، مجاز في غيره، والأصل حمل الكلام على حقيقته لأنه الراجح، لا سيما على قراءة (لمستم) إذ لم يشتهر في الوقاع كالملامسة، وروي عن ابن مسعود من طرق متعددة أنه قال: الملامسة ما دون الجماع، وعنه: القبلة من المس وفيها الوضوء، رواهما ابن جرير.