تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه

حمل قوم الآية على نكاح المتعة، قالوا: معنى قوله تعالى: ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي: فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة فآتوهن أجورهن.

قال الحافظ ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فآتوهن أجورهن فريضة ".

وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال:

" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر "

وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

" يا أيها الناس! إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا "

". انتهى.

وفي (الكشاف): قيل نزلت هذه الآية في المتعة، كان الرجل نكح المرأة وقتا معلوما، ليلة أو ليلتين أو أسبوعا، بثبوت أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها، سميت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها.

وقال الخفاجي: روي أن سعيد بن جبير قال لابن عباس رضي الله عنهما: أتدري ما صنعت بفتواك؟ فقد سارت بها الركبان وقيل فيها الشعر، كقوله:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه

يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟

هل لك في رخصة الأطراف آنسة

تكون مثواك حتى مصدر الناس؟

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله! ما بهذا أفتيت ولا أحللت، إلا مثل ما أحل الله الميتة والدم.

وقال الإمام شمس الدين بن القيم رضوان الله عليه في: (زاد المعاد) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه، ما نصه: ومما وقع في هذه الغزوة إباحة متعة النساء، ثم حرمها صلى الله عليه وسلم قبل خروجه من مكة، واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال: أحدها: إنه يوم خيبر، وهذا قول طائفة من العلماء، منهم الشافعي وغيره. والثانى: إنه عام فتح مكة، وهذا قول ابن عيينة وطائفة. والثالث: إنه عام حنين، وهذا في الحقيقة هو القول الثانى - لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع: إنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة، سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع، وسفر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم. والصحيح: أن المتعة إنما حرمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في صحيح مسلم أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه، ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين، وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة، ولا يقع مثله فيها.

وأيضا، فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كن يهوديات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد، إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة لقوله:

اليوم أحل لكم الطيبت وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنت من المؤمنت والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم

[المائدة: 5]، وهذا متصل بقوله:

اليوم أكملت لكم دينكم

[المائدة: 3]، وبقوله:

اليوم يئس الذين كفروا من دينكم

[المائدة: 3]، وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع، أو فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة من خيبر، ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع. ونساء عدوهم قبل الفتح وبعد الفتح، استرق من استرق منهم وصرن إماء للمسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت فى الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب:

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية "

محاسن التأويل · الصفحة ٥٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٤٠