قال الإمام الشافعي في الرسالة:
[244] فرض الله عز وجل على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم. [245] فقال في كتابه:
ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آيتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم
[البقرة: 129]. [250] وقال:
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما
[النساء: 113]. في آيات نظائرها.
قال الشافعي:
[252] فذكر الله عز وجل الكتاب وهو القرآن. وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [253] وهذا يشبه ما قال، والله أعلم. [254] لأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله جل ثناؤه منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز، والله أعلم، أن يقال: الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. [255] وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحتم على الناس اتباع أمره - فلا يجوز أن يقال لقول: فرض، إلا لكتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. [256] لما وصفنا من أن الله تعالى جل ثناؤه جعل الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم مقرونا بالإيمان به. [257] وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة عن الله عز وجل معنى ما أراد - دليلا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بها بكتابه، فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه، غير رسوله صلى الله عليه وسلم.
انتهى.
وإنما أوردنا هذا تزييفا لزعم الخوارج أن حديث:
" لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها "
المروي في الصحيحين وغيرهما، خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، كما نقله عنهم الرازي، وأورد من حججهم أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى، وأنه لا يجوز. انتهى.
وقد توسع الرازي هنا في الجواب عن شبهتهم، ومما قيل فيه: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها مأخوذ من قوله تعالى:
وأن تجمعوا بين الأختين
[النساء: 23].
قال العلامة أبو السعود: ويشترك في هذا الحكم الجمع بين المرأة وعمتها نظائرها، فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه إلى قطع ما أمر الله بوصله، وذلك متحقق في الجمع بين هؤلاء، بل أولى. فإن العمة والخالة بمنزلة الأم، فقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تنكح المرأة... إلخ " ، من قبيل بيان التفسير، لا بيان التغيير. وقيل: هو مشهور يجوز به الزيادة على الكتاب.
وقال أيضا: ولعل إيثار اسم الإشارة (يعني في قوله: ﴿ ما وراء ذلكم ﴾ ) المتعرض لوصف المشار إليه وعنوانه، على الضمير المتعرض للذات فقط - لتذكير ما في كل واحدة منهن من العنوان الذي عليه يدور حكم الحرمة، فيفهم مشاركة من في معناهن لهن فيها بطريق الدلالة، فإن حرمة الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ليست بطريق العبارة، بل بطريق الدلالة، كما سلف. انتهى.
وفي (تنوير الاقتباس): ويقال في قوله تعالى: ﴿ أن تبتغوا بأمولكم ﴾ أن تطلبوا بأموالكم تزوجهن وهي المتعة، وقد نسخت الآن. انتهى. وسيأتي الكلام على ذلك. ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي: من تمتعتم به من المنكوحات بالجماع ﴿ فآتوهن ﴾ فأعطوهن ﴿ أجورهن ﴾ مهورهن كاملة ﴿ فريضة ﴾ أي: من الله عليكم أن تعطوا المهر تاما، و(فريضة) حال من الأجور، بمعنى مفروضة، أو نعت لمصدر محذوف، أي: إيتاء مفروضا، أو مصدر مؤكد أي: فرض ذلك فريضة. ﴿ ولا جناح عليكم ﴾ لا حرج عليكم. ﴿ فيما ترضيتم به ﴾ أنتم وهن ﴿ من بعد الفريضة ﴾ أي: من حطها أو بعضها أو زيادة عليها بالتراضي ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾ فيما شرع من الأحكام.