" خير الصداق أيسره ".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال:
" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئا ". قال: قد نظرت إليها. قال: " على كم تزوجتها؟ " قال: على أربع أواق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " على أربع أواق! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه ". قال: فبعث بعثا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم ".
الثانية: خص تعالى ذكر من آتى القنطار من المال بالنهي، تنبيها بالأعلى على الأدنى، لأنه إذا كان هذا على كثرة ما بذل لامرأته من الأموال، منهيا عن استعادة شيء يسير حقير منها على هذا الوجه، كان من لم يبذل إلا الحقير منهيا عن استعادته بطريق الأولى. ومعنى قوله: ﴿ وآتيتم ﴾ والله أعلم: وكنتم آتيتم، إذ إرادة الاستبدال في ظاهر الأمر، واقعة بعد إيتاء المال واستقرار الزوجية - كذا في: الانتصاف.
الثالثة: اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء، واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة، ومنشأ ذلك: أن (أفضى) في قوله تعالى: ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ يجوز حملها على الجماع كناية، جريا على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحي من ذكره، والخلوة لا يستحي من ذكرها فلا تحتاج إلى كناية: ويجوز إبقاؤها على ظاهرها.
قال ابن الأعرابي: الإفضاء في الحقيقة الانتهاء، ومنه: ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ أي: انتهى وآوى، هذا، والكناية أبلغ وأقرب في هذا المقام، ومما يرجحها أنه تعالى ذكر ذلك في معرض التعجب فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ [النساء: 21] والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع، لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الإفضاء إليه - ذكره الرازي من وجوه.
ثم قال: وقوله تعالى: ﴿ وكيف تأخذونه ﴾ كلمة تعجب، أي: لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه؟ إن هذا لا يليق بمن له طبع سليم وذوق مستقيم.
الرابعة: في: (الإكليل) استدل بهذه الآية من منع الخلع مطلقا، وقال: إنها ناسخة لآية البقرة. وقال غيره: إن هذه الآية منسوخة بها. وقال آخرون: لا ناسخ ولا منسوخ بل هي في الأخذ بغير طيب نفسها. انتهى.
أقول: إن القول الثالث متعين، لأن كلا من آيتي البقرة وهذه في مورد خاص يعلم من مساق النظم الكريم، وذلك لأن قوله في البقرة:
فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به
[البقرة: 229] - صريح في أن الزوجة إذا كرهت خلق زوجها أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثما بترك حقه، أبيح لها أن تفتدي منه وحل له أخذ الفداء مما آتاها، لقوله تعالى ثم:
ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم
[البقرة: 229] إلخ. والحكمة في حل الأخذ ظاهرة، وهي جبر الزوج مما لحقه من ضعة اختلاعها له وهيمنتها حينئذ عليه، واسترداد ما لو أخذ منه، لكان في صورة المظلوم، لأنه لم يجنح للفراق ولا رغب فيه، فكان من العدل الإلهي ألا يجمع عليه بين خسارتي التمتع والمال. وأما هذه الآية فهي في حكم آخر، وهو ما إذا أراد استبدال زوجته لطموح بصره إلى غيرها من غير أن تفتدي منه، أو ترغب في خلع نفسها منه، فيضن بما آتاها ويأسف لأن تحوزه وهو لا يريدها وليس لها في نفسه وقع، فعزم عليه أن لا يأخذ مما أصدقها شيئا قط بعد الإفضاء، لأنه لو أبيح له الأخذ حينئذ لكان ظلما واضحا، لأنه أخذ بلا جريرة منها، فكان في إبقاء ما في يدها مما آتاها جبر لما نابها من ألم الإعراض عنها واطراحها، رحمة منه تعالى، وعدلا في القضيتين. فالقائل بالنسخ فاته سر الحكمين، وليت شعري ماذا يقول في الحديث الصحيح المروي في البخاري وغيره، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت: