وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر "
و(يفرك) بفتح الياء والراء، معناه يبغض.
لطيفة
قال أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه، وانحصار العلية في الثاني، للتوسل إلى تعميم مفعوله - ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصا بمكروه دون مكروه، بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق، حسب اقتضاء الحكمة، وإن ما نحن فيه مادة من موادها، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد، ما لا يخفى.
تنبيه جليل في الوصية بالنساء والإحسان إليهن
كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة، وهي قوله تعالى: ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾. قال ابن كثير: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى:
ولهن مثل الذي عليهن
[البقرة: 228]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي "
، رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجة عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية. وقال صلى الله عليه وسلم:
" خيركم خيركم للنساء "
، رواه الحاكم عن ابن عباس. وقال صلى الله عليه وسلم:
" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم "
، رواه ابن عساكر عن علي عليه السلام. وعن عمرو بن الأحوص رضي الله عنه
" أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: " ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن "
، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وقوله: " عوان " أي: أسيرات، جمع عانية.
وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال:
" قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت "
، رواه أبو داود.
وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله "
، رواه أبو داود. وفي رواية له:
" كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه ورميه عن قوسه ومداعبته أهله ".
قال ابن كثير: وكان من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد إليها بذلك، قالت:
" سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني، فقال: " هذه بتلك " ".
وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار. وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21] انتهى.
وقال الغزالي في: (الإحياء) في (آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح): الأدب الثاني: حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن، ترحما عليهن، لقصور عقلهن، قال الله تعالى: ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾: وقال في تعظيم حقهن: