فاضربوا فوق الأعناق
[الأنفال: 12] أي: الأعناق. ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ، لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولأن قوله: ﴿ فوق الأعناق ﴾ هو الفصيح وليست (فوق) زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال. انتهى. وأيضا لو كان لفظ (فوق) زائدا كما قالوا، لقال: فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل: فلهن ثلثا ما ترك. وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في: (سننه) عن جابر قال:
" جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم (أحد) شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال: " يقضي الله في ذلك " ، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك "
أخرجوه من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر. قال الترمذي: هذا حديث صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد رواه شريك أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل من حديثه، كذا في: (فتح البيان) ﴿ وإن كانت ﴾ أي: المولودة ﴿ واحدة ﴾ أي: امرأة واحدة ليس معها أخ ولا أخت ﴿ فلها النصف ﴾ أي: نصف ما ترك، ولم يكمل لها لأنها ناقصة، ولذلك لم يجعل لها الثلثان اللذان هما نصيب الابن معها، ثم ذكر، بعد ميراث الأولاد، ميراث الوالدين فقال: ﴿ ولأبويه ﴾ أي: الميت، وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، والمراد بالأبوين: الأب والأم، والتثنية على لفظ الأب للتغليب ﴿ لكل واحد منهما السدس مما ترك ﴾ من المال ﴿ إن كان له ولد ﴾ ذكر أو أنثى ﴿ فإن لم يكن له ﴾ للميت ﴿ ولد ﴾ ذكر أو أنثى ﴿ وورثه أبواه فلأمه الثلث ﴾ أي: ثلث المال مما ترك، والباقي للأب للذكر مثل حظ الأنثيين. لكن قرر لها الثلث تنزيلا لها منزلة البنت مع الابن، لا منفردة، حطا لها عن درجتها، لقيام البنت مقام الميت في الجملة، قاله المهايمي. ﴿ فإن كان له ﴾ أي: للميت ﴿ إخوة ﴾ من الأب والأم، أو من الأب أو من الأم، ذكورا أو إناثا. ﴿ فلأمه السدس ﴾ يعني لأم الميت سدس التركة ﴿ من بعد وصية يوصي بهآ أو دين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذه الفروض المذكورة إنما تقسم للورثة من بعد إنفاذ وصية يوصي بها الميت إلى الثلث، ومن بعد قضاء دين على الميت. وقرئ في (السبع): " يوصي " مبنيا للمفعول وللفاعل.
قال الحافظ ابن كثير: أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية. وروى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ من بعد وصية يوصي بهآ أو دين ﴾ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه.
ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم، لكن كان حافظا للفرائض، معتنيا بها وبالحساب، فالله أعلم.
قال السيوطي في: (الإكليل): في الآية أن الميراث إنما يقسم بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا، وفيها مشروعية الوصية، واستدل بتقديمها في الذكر من قال بتقديمها على الدين في التركة، وأجاب من أخرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها، واستدل بعمومها من أجاز الوصية بما قل أو كثر، ولو استغرق المال، ومن أجازها للوارث والكافر، حربيا أو ذميا، واستدل بها من قال: إن الدين يمنع انتقال التركة إلى ملك الوارث، ومن قال إن دين الحج والزكاة مقدم على الميراث، لعموم قوله: ﴿ أو دين ﴾ انتهى.