تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كأن التي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب

وقول البارودي يصفها أيضا:

وكأنها حول المجر حمائم ... بيض عكفن على جوانب مشرع

فلم يزد البارودي عما خيل إليك الكوفي سوى أن جعل تلك النجوم الواردة

حمائم بيضا.

ومن هذا القبيل قول المعتمد بن عباد يصف نهرا في روض:

ولربما سلت لنا من مائها ... سيفا وكان عن النواظر مغمدا

وقول أبي القاسم البخاري:

والنهر شق بساط الروض تحسبه ... سيفا ولكنه في السلم مشهور

فهذا البيت أخذ في ضمنه معنى البيت الأول، وإنما زاد عليه بأن السيف مجرد في حال السلم.

ثانيها: أن يكون المعنى الأصلي غريبا، وتكون الزيادة أدل منه على البراعة،

ويصح لك في هذا الحال أن تقضي بفضل الثاني؛ إذ في يدك ما ينهض بحجتك على

أن في قريحته قوة تمكنها من إنشاء الصورة من أصلها، ومثال هذا قول الخفاجي:

كأن الدجى لما تولت نجومه ... مدبر حرب قد هزمن له صفا

وقول البارودي يصف الليل أيضا:

متوشح بالنيرات كباسل ... من نسل حام باللجين مدرع

حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلال بأصبع

فإن كان البارودي قد تنبه إلى تشبيه الليل بأمير حرب من بيت الخفاجي، فقد

زاد عليه ما هو أغرب منه، أعني ظنه أن النجوم تخلفت عن أمره، ثم إشارته إليها

بأصبع من الهلال.

ثالثها: أن يكون الأصل من المعاني التي تتناولها العزائم لأول لفتة؛ إذ

أصبحت مبذولة ابتذال تمثيلك جميل الطلعة بالقمر والمقدام بالأسد، ويسوغ لك

بدون شبهة أن تعد التخييل فيما يرجح به وزن صاحب الزيادة البديعة، فالذين

شبهوا الزهر بالدراهم كثير، ولكن ابن زمرك أضاف إلى ذلك أن جعل النسيم جابيا

لها فقال:

كأنما الزهر في حافاتها سحرا ... دراهم والنسيم اللدن يجبيها

ومن المتداول تشبيه الأقاح بالثغور، وقد بنى عليه ابن رشيق أن جعل الشمس

ترشف منه ريق الغوادي فقال:

باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المزاح

من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح

ومن المعهود تشبيه الليل بالغراب، فتناوله عبد الرحمن الفنداقي الأندلسي

ورفعه في الحسن درجات فقال:

وانبرى جنح الدجى عن صبحه ... كغراب طار عن بيض كنين

وقد يذهب الشاعران إلى محاكاة أمر، فيحاكيه أحدهما ناظرا إليه بانفراده،

ويحاكيه الآخر ناظرا إليه في حال اقترانه بأمور أخرى، فلا يحق لك متى قايست

بينهما ورأيت الأول أحكم أن تقضي لصاحبه بالرجحان؛ إذ قد تكون محاكاة الثاني

إنما جاءتها الجودة من ملاحظة ما اتصل بها من المعاني، ولولا هذه المقارنة لم

يقدم صاحبه على هذه المحاكاة، ربما تسمع أبا جعفر الأندلسي خيل أصوات الحمام

في الصباح بالخصام، فيبدو لك أن تشبيهها بالغناء أو النواح أقرب إلى الجودة وأشد

مطابقة لحالها، ولكنك إذا وقفت على قوله:

فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه

أدركت جودة التخييل التي أحرزها بما انضم إليه من تمهيد سبب الخصام،

وهو اعتداء الصبح على الظلام وقتله بالنصل ذبحا.

يعدون في تخيلات فكتور هيغو تشبيهه الموج بالغنم، فإذا قيل لك: إن الشاعر

العربي معروف الرصافي قد شبهه بالرجال حسبت أنه وقع التشبيه إلى الحضيض،

حتى إذا قرأت قوله يصف قصر البحر في بيروت:

كأن الموج في الدأما رجال ... وهذا القصر بينهم خطيب

تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواج تصفيق رحيب

تيقنت أن الرجل قد ذهب في التخييل البديع إلى الدرجة القصوى، فتشبيه

الموج بالغنم هو أحكم من تشبيهه بالرجال متى نظرت إليه مستقلا، ولكنك إذا

راعيت ما انضم إليه من تشبيه القصر القائم على ضفة البحر بالخطيب، وتلاطم

الأمواج بالتصفيق - لم يكن في وقوعه على ذوقك أقل تأثيرا من تشبيهه بالغنم

السائمة [2] .

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: فيه تذكير نعت السماء وقد أراد باليوم ما يعم الليل وكان يمكنه التعبير به.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٧٤