في الفروع شيعا وأحزابا، وقامت معركة الجدل والمناظرة بينهم، واستمرت عدة
قرون، وكانت عاقبتها أن اعتصم كل بما عنده، واطمأنت نفسه إليه، وعول في
العمل عليه، ورفض أن ينظر في أقوال خصمه إلا ليدحضها أو يضع من شأنها،
فتناسى الناس بذلك المحيط الشاسع والقاموس الواسع، الذي من مائه نبعت عيون
فقههم، ومن هباته كونت مذاهبهم، أعني بذلك الكتاب والسنة.
لقد كان الاستنباط من السنة أكبر عامل على إحيائها، وخير مشجع على خوض
غمارها، فانكب الناس عليها دارسين وآخذين وناقدين ومؤلفين، ولم يتركوا ناحية
منها إلا تبينوها، ولا شبهة إلا دحضوها، ولا فرية إلا قتلوها.
فلما ركنوا إلى التقليد وتركوا الاجتهاد جانبا، شغلتهم كتب الفروع عن السنة،
وشغفوا بدراستهم لها عن ورودها، ورأوا - خطأ أو صوابا - أن فيها بغيتهم، وأن
السنة فرغت منها حاجاتهم، وما لهم وللسنة وقد أوصدت في وجوههم أبواب الأخذ
منها، وحظر عليهم أن يقولوا سوى ما قاله الأصحاب؟ فما لهم ينصبون ولا يجنون
ويكدون ولا يستفيدون؟ .
نعم كان من الناس من يتطلبها لما فيها من أخلاق ومواعظ وآداب ورقائق،
أو تبركا بحديث الرسول - صلوات الله وسلامه عليه -.
على أن ذلك لم يمنع من وجود أعلام نابهين في العصور المختلفة درسوا
السنة حق دراستها، وعرفوها حق معرفتها، وأطلقوا لأنفسهم حرية الأخذ عنها كأبي
عمر بن عبد البر وابن حزم الأندلسي وابن تيمية الحراني وتلميذه ابن القيم وابن
حجر العسقلاني وأبي بكر السيوطي والشوكاني وكثير غيرهم، فهؤلاء وأمثالهم
ممن تقدم ذكرهم تحت عنوان الجرح والتعديل قاموا للسنة بخدمات جليلة، وزادوا
الناس التفاتا إليها، وشغفا بها، فلهم منا جزيل الثناء ووافر الشكر.
***
حال السنة في عصرنا الحاضر
كان خليقا بالأزهر وفروعه، وهو كعبة العلوم الدينية، أن تكون للسنة فيه
عناية كبيرة، ومقام عال بين علوم الدين، ولكن للأسف بخس الحديث في هذا
المعهد الكبير حقه، بعد أن انتهت إليه الرياسة فيه على عهد الحافظ ابن حجر
وتلاميذه، فلا يوليه الأزهريون اليوم من نشاطهم وطويل وقتهم ما أولوا الفقه
وأصوله وعلوم العربية، فلا نراهم يدرسون سوى صحيح البخاري وصحيح مسلم،
على قلة قراءتهم للثاني، واقتصار الكثيرين على مختصر الأول، مع حجرهم على
الأفكار أن تفهم إلا ما فهمه الشيوخ، وسلوكهم في تفسير الأحاديث مسلك تأييد
المذاهب وتنزيل المعاني عليها، كأنما الفروع أصل من أصول السنة أو المنبع الأول
للتشريع الإسلامي.
ثم إن دراستهم لهذين الصنوين لا تعدو المتن إلى السند، فلا يبحثون فيه، ولا
يتعرفون رجاله، ولا يتبينون إن كان متصلا أم منقطعا، مع أنهم يدرسون قبل ذلك
مصطلح الحديث، فما الفائدة فيه إذا لم يطبقوه في دراسة المتون والأسانيد؟ ربما
قالوا ذلك من باب: العلم بالشيء ولا الجهل به، وربما قيل لهم: أهذا هو علم السنة
المطلوب شرعا؟
ولقد أخذ بعض الأساتذة الأجلاء يدرس الكتب الستة في العطلة الصيفية، وبدأ
منها بكتاب الموطأ، ونرجو أن يوفق لإتمامها، وأن ينفخ ذلك في روع الأزهريين
حب التفوق في الحديث والعناية بكتبه.
وقد وجد بين الأزهريين في هذه الأيام أفراد عنوا بدراسة السنة دراسة كاملة،
وأطلقوا لأنفسهم حرية البحث والفهم وراضوا أنفسهم في كتب السنة المختلفة،
وإنهم لبشير خير بتبدل الأحوال، وإحلال العناية بالحديث محل الإهمال.
ولما كانت مجلة المنار سلفية المنهج، وكانت عنايتها موجهة إلى محاربة
البدع والرجوع بالدين إلى ما درج عليه الرعيل الأول من السلف، وكان ذلك داعيا
للعناية بالسنة والبحث فيها وفي فنونها، والاستدلال بها في الفتاوى وغيرها - كان
لها أثر صالح في نشر السنة وتكثير سواد الطالبين لها في الأقطار الإسلامية
المختلفة.
ولا يوجد في الشعوب الإسلامية على كثرتها واختلاف أجناسها، من وفى