بالحرب الطاحنة، وكأني به عندما حضر في نفسه معنى الحرب انساق إليه معنى
الرحى لما بينها من التشابه المعهود، ثم تنقل نظره من الرحى إلى ما هو من
خواصها، فوقع على الثفال واللهوة، ثم انقلب إلى معنى الحرب وألقى نظره إلى
ما حولها، فتراءى له ميدانها مبسوطا كالثفال والرجال الذين يتهافتون عليها فتتناثر
رؤوسهم وتتساقط أشلاؤهم على ذلك الميدان في صورة اللهوة، فصاغ الأبيات على
هذا الوجه الذي يدل على حسن تصرف في ضم المعاني إلى أشكالها.
والأدباء الذين أروك الحصى في صورة الدر ليسوا بقليل، وإنما المزية لمن
اتسع في صورة هذا المعنى ونظر في تركيبها إلى أمور متعددة، فقال يصف واديا:
وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم
يروع حصاه خالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
كأني بالشاعر عندما صح فتح جفنه على الحصى وهي في ملاستها وصفاء
منظرها انصرف خياله إلى ما يحاكيه من الجواهر النفيسة، ثم إلى حال تناسقها في
هيئة قلادة، وتذكر بهذا موقعها من الصور، فخطرت على قلبه الفتاة، وشرع
يتصور كيف تنظر إلى تلك الحصى فيهجم على ظنها بغتة أن قلادتها انفرطت،
وأن ما تراه من الحصى إنما هو اللؤلؤ الذي كان متناسقا في نحرها قد تساقط إلى
مواطئ أقدامها، فلا تتمالك أن تضرب يدها على العقد حتى تحفظ البقية من السقوط،
أو لتتيقن صدق ظنها فتسعى إلى التقاطها.
ثالثتها: أن يجري الشاعر في استخلاص المعاني وتأليفها على ما يوافق
الذوق السليم، فهو الحافظ لنظام المعاني، كما أن القواعد العربية تحفظ نظام الألفاظ،
ومن الشعراء من تأخذه سنة عن هذا الشرط فيضع المعنى الخيالي على مثال تشمئز
منه النفس، كما أن ناسج الثياب من غزل اختلفت ألوانه إذا لم يكن صاحب ذوق لم
يحكم وضعها، وأخرجه في صورة تقذفها العيون، ومثال هذا أن أبا القاسم بن
فرناس أنشد الأمير محمدا أبياتا يقول فيها:
رأيت أمير المؤمنين محمدا ... وفي وجهه بذر المحبة يثمر
فقال له مؤمن بن سعيد: قبحا لما ارتكبته جعلت وجه الخليفة محراثا تثمر
فيه البذور؟ فغشيه الخجل وجعل جوابه عن هذا النقد الصائب سبابا، ووقع في مثل
هذه الزلة كثير من كبار الشعراء، فهذا أبو تمام يقول في مدح أحد الأبطال:
ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا
فجعل ممدوحه محراثا كما جعله هاذيا حين قال:
لا زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم
وهذا بشار بن برد يقول:
وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي
فإثبات الرقاب للوصل والرجل للبين من التخيلات المستهجنة.
قد يخطر لسائل أن يقول: إن لهؤلاء الشعراء براعة مسلمة، وأذواقا لا
ترتاب في صحتها وصفائها، وقد مرت هذه المعاني التي رميتموها بسبة السخافة
على أذواقهم فألقت إليها بالتسليم، أفلا يكون رضاهم عنها واستحسانهم لها شاهدا
ببراءتها مما تدعون من سماجة الوضع ومنافرة الذوق؟
والجواب أن القبح في هذه المعاني وما كان على شاكلتها محقق بما يجده
الإنسان في نفسه من أثر الفكرة لها وعدم الأنس لسماعها، فضلا عن شهادة فريق
عظيم لا تقصر بهم سلامة الذوق والمعرفة بحرفة الأدب عن طبقة أولئك الشعراء،
وهذا ابن رشيق يقول عقب إيراد البيت الأول من بيتي أبي تمام: (فلعنة الله على
المحراث ههنا ما أقبحه وأركه) ، ولم يبق سوى النظر في عدم تنبههم لذلك القبح،
وكيف خفي عنهم وجهه وهو كاشف لثامه حتى لا يمتاز بإدراكه في بعض الأبيات
الأدباء عن غيرهم؟
والوجه في هذا أن البصيرة مثل البصر، والمشاهد للصورة عن عيان قد
يفوته أن يحدق فيها من بعض الجهات، فلا يشعر بما فيها من عيب، فكذلك
الشاعر قد يصوغ المعنى ولا يأخذه بالنقد من جميع أطرافه فيصدر على عوج قد