تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

به هذه القوة النفسية، فيكون صاحبها أقدر على صناعة التخيل وأرسخ فيها ممن

كانت بضاعته مزجاة وحافظته في إملاق.

ومن جهة أن غزارة المادة تساعد على كثرة العمل الذي هو الإبداع، وكثرة

العمل تقوى بها النفس في صناعة التخييل أمكن للشاعر المدني أن يفوق الشاعر

البدوي أو القروي في تخييل معان اشتركوا في العلم بالعناصر التي تنتزع منها

الصور الخيالية.

يبلغ تأثير المدنية في تهذيب المخيلة إلى أن يكون الفرق بين عملها في حال البداوة وعملها بعد أن تحضن صاحبها الحضارة أوضح من نار على علم، فهذا

علي بن الجهم الذي قال للخليفة:

أنت كالكلب في حفاظك للعهد ... وكالتيس في مراعي الخطوب

هو الذي يقول:

فقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضيء لمن يأوي إلينا ولا نقري

بيد أنه قال البيت الأول أيام كان يسكن البادية، وقال البيت الثاني بعدما نزل

بغداد وتراصف في حافظته من الصور والمعاني ما رقت به حاشية طبعه وجعل

قريحته تنسج من المعاني البديعة برودا ضافية.

ثانيهما: الحرية؛ إذ لا شبهة أن الاستبداد الأعمى يطبع الناس على الجبن

ويلقي في أفئدتهم رهبة تحملهم على أن يجعلوا بينهم وبين الأقوال التي تسخط لها

الحكومة القاسية حاجزا لا يدنون منه، فيضيق بذلك مجال الشاعر، وربما تنكب

الخوض في الاجتماعيات، حذر الوقوع في السياسيات، ومن ذا ينكر أن الخيال

الذي يسخره صاحبه في كل غرض ويطلق له العنان في كل حلبة يكون أبعد مرمى

وأحكم صنعا من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة ورسمت له خطة لا

يفوتها؟ ولقد كنت أعرف ناسا شبوا تحت سلطة تكره للأديب أن يفتح لهاته في

الأحوال السياسية، فصرفوا معظم حياتهم في التردد على الغزل والمديح والرثاء،

وفاضت عليهم قرائحهم في هذه الأغراض بمعان رائقة، ولما سمح الوقت بالكلام

في مقاصد اجتماعية أو سياسية وقف بهم الخيال في عقبة كؤود، أو أتوا بها في

نسج واه وهيئة متخاذلة.

فالخيال حر في عمله لا تملك السلطة المستبدة مرده، ولكنها تمنعه من أن

يتجول على مراكب الألسنة والأقلام، وهذا ما يثبط الشاعر عن إطلاق خياله للعمل،

ولا يرخي له العنان إلا في أغراض يسعه الحال لأن يخاطب بها الناس نطقا أو

كتابة.

فذانك سببان لأن يكون الخيال بديع الصنع في كل غرض يتوجه إليه، وههنا

أمر آخر إذا اتفق للشاعر حال تصديه للنظم في غرض يكون له أثر جلي في سهولة

التخيل وبعد الرمية إلى المعاني الغامضة وهو الإحساس والتأثر.

فمن الشعراء من يتكلم عن مشاهدة وتأثر نفسي، كأن يرى البطل يلقي بنفسه

في مواقع الخطوب، أو العالم كيف يتدفق بالحكمة البالغة، أو الجواد كيف يبسط يده

بالنوال فيشعر بإعظامه ويأخذ في مديحه وتمجيده، ويرى الجبان كيف تصفر أنامله

من ذكر الحرب، أو الجاهل كيف يتمضمض باللغو أو الباطل، أو البخيل كيف

يشد على الدينار رباطا فوق رباط فيشعر في نفسه بمهانته ويتصدى لهجائه،

ويموت من يعز عليه من قريب أو صديق أو أستاذ، فيشعر بالتفجع والأسف،

وتتفجر قريحته برثائه، وتحل بصديقه فاجعة فيحس بالإشفاق عليه، فيأخذ في

تسليته وتهوين وقعها عليه بالعزاء الجميل، ويدخل الروضة الفيحاء فيتمتع بمرأى

أزهارها وتلحين بلابلها، فيهب في صدره ابتهاج وأنس، ويسترسل في وصفها وذكر

ما راقه من مشاهدها، ومن الشعراء من يسوقه إلى الشعر باعث طمع أو خوف أو

حياء، ومن الجلي أن الإحساس والتأثر مما يفتح أمام الخيال طرقا قلما يبصر بها

من يحمل نفسه على الشعر المجرد الطمع أو الخوف أو الحياء، فانظر إن شئت

مثلا إلى قصيدة أبي الحسن الأنباري التي يقول في مطلعها:

علو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات

فتجد فيها تخيلات فائقة، والذي ساعده على ذلك فيما أحسب أنه أنشأها عن

تفجع وإعظام بالغ؛ لأنه رثى فيها الوزير ابن بقية يوم قتله عضد الدولة مصلوبا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٣٣