تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا طعنا في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة والتثبت في أمر

الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في

ذلك.

وقد تكلم في الرجال خلق لا يتهيأ حصرهم، وقد سرد ابن عدي [93]

في مقدمة كتابه الكامل جماعة إلى زمنه، فمن الصحابة ابن عباس [94] وعبادة

ابن الصامت [95] وأنس [96] ، ومن التابعين الشعبي [97] وابن سيرين [98] وسعيد بن

المسيب [99] ، وهم قليل بالنسبة لمن بعدهم، وذلك لقلة الضعف، فيمن يروون

عنهم، إذ أكثرهم صحابة وهم عدول، وغير الصحابة منهم أكثرهم ثقات؛ إذ لا يكاد

يوجد في القرن الأول من الضعفاء إلا القليل، وأما القرن الثاني فقد كان في أوائله

من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم

وضبطهم للحديث، فكانوا يرسلون كثيرا ويرفعون الموقوف، وكانت لهم أغلاط

وذلك مثل أبي هارون العبدري [100] ، ولما كان آخر عصر التابعين وهو حدود

الخمسين ومائة، تكلم في التعديل والتجريح طائفة من الأئمة فضعف الأعمش [101]

جماعة ووثق آخرين، ونظر في الرجال شعبة [102] وكان متثبتا لا يكاد يروي

إلا عن ثقة، ومثله مالك [103] وممن كان في هذا العصر إذا قال قبل قوله

معمر [104] وهشام الدستوائي [105] والأوزاعي [106] وسفيان الثوري [107] وابن

الماجشون [108] وحماد بن سلمة [109] والليث بن سعد [110] ، وبعد هؤلاء طبقة

منهم ابن المبارك [111] وهيثم بن بشير [112] وأبوإسحاق الفزاري [113]

والمعافى بن عمران الموصلي [114] وبشر بن المفضل [115] وابن عيينة [116] ،

وقد كان في زمنهم طبقة أخرى، منهم ابن علية [117] وابن وهب [118] ووكيع بن

الجراح [119] ، وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال الحافظان الحجتان يحيى بن

سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي [120] ، وكان للناس وثوق بهما فصار من

وثقاه مقبولا، ومن جرحاه مجروحا، ومن اختلفا فيه - وذلك قليل - رجع

الناس فيه إلى ما ترجح عندهم، ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع إليهم في ذلك

منهم يزيد بن هارون [121] وأبو داود الطيالسي [122] وعبد الرزاق بن همام [123]

وأبو عاصم الضحاك النبيل بن مخلد [124] .

ثم صنفت الكتب في الجرح والتعديل والعلل، وبينت فيها أحوال الرواة،

وكان رؤساء الجرح والتعديل في ذلك الوقت جماعة منهم يحيى بن معين [125] ،

وقد اختلفت آراؤه وعبارته في بعض الرجال كما تختلف آراء الفقيه النحرير

وعبارته في بعض المسائل التي لا تكاد تخلص من إشكال، ومن طبقته أحمد بن

حنبل [126] ، وقد سأله جماعة من تلامذته عن كثير من الرجال، فتكلم فيهم بما بدا له،

ولم يخرج بهم عن دائرة الاعتدال، وقد تكلم في هذا الأمر محمد بن سعد [127]

كاتب الواقدي في طبقاته، وكلامه جيد معقول، وأبو خيثمة زهير بن حرب [128]

وله في ذلك كلام كثير، وأبو جعفر عبد الله بن محمد النبيل حافظ الجزيرة

الذي قال فيه أبو داود: لم أر أحفظ منه. وعلي بن المديني [129] وله التصانيف

الكثيرة في العلل والرجال، ومحمد بن عبد الله بن نمير [130] ، الذي قال فيه أحمد:

هو درة العراق. وأبو بكر بن أبي شيبة [131] صاحب المسند، وكان آية في

الحفظ، وعبد الله بن عمرو القواريري [132] الذي قال فيه صاحب جرزة: هو أعلم

من رأيت بحديث أهل البصرة. وإسحاق بن راهويه [133] إمام خراسان، وأبو جعفر

محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ، وله كلام جيد في الجرح والتعديل،

وأحمد بن صالح [134] حافظ مصر، وكان قليل المثل [135] ، وهارون بن عبد الله

الحمال [136] ، وكل هؤلاء من أئمة الجرح والتعديل.

ثم خلفتهم طبقة أخرى متصلة بهم، منهم إسحاق الكوسج [137]

والدارمي [138] والبخاري [139] والعجلي الحافظ نزيل المغرب [140] ، ويتلوهم أبو

زرعة [141] وأبو حاتم [142] الرازيان، ومسلم [143] وأبو داود السجستاني [144] ،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٢٨