تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبيان ناسخه من منسوخه، وإظهار حال رجاله والكشف عن علومه ومصطلحاته،

من صحيح وعليل ومقبول، ومردود ومتواتر ومشهور إلى غير ذلك من جليل

الأغراض ومتنوع الأقسام.

وسنفرد فصلا لكل نوع من أنواعه الشهيرة، نلم فيه بتوضيحه ونعرج على

تاريخه، مقرنين ذلك بذكر أحسن المؤلفات فيه حتى يتجلى لك تاريخ الحديث من

جملة نواحيه.

***

علم غريب الحديث

الغريب من الكلام يقال على وجهين: أحدهما أن يراد به بعيد المعنى غامضه

بحيث لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من

بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب.

وها نحن أولاء نحكي لك خلاصة ما قاله ابن الأثير في مفتتح نهايته، فإنه

أحسن من وفى هذا الموضوع قسطه من البيان، ضامين إليه ما عثرنا عليه في

بطون الكتب التي تعرضت لهذا الشأن.

كان - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب لسانا، وأوضحهم بيانا،

وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب، وكان يخاطب العرب

على اختلاف شعوبهم وتباين لهجاتهم، كلا منهم بما يفهم، ويحادثه بما يعلم، وكان

أصحابه والوفود عليه من العرب يعرفون أكثر ما يقول، وما جهلوه سألوه عنه

فيوضحه لهم، واستمر عصره - صلى الله عليه وسلم - إلى حين وفاته على هذا

السنن المستقيم، وعليه سلك الصحابة في عصرهم، وكان اللسان العربي عندهم

صحيحا محروسا من الدخيل إلى أن فتحت الأمصار وخالط العرب غير جنسهم من

الروم والفرس والحبش والنبط، وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتحت بلادهم

للمسلمين، ورفرف عليها علم الموحدين فاختلطت الفرق وامتزجت الألسن وتداخلت

اللغات، ونشأ بينهم الأولاد فتعلموا من اللسان العربي ما لا بد لهم في الخطاب

والمحاورة منه، وتركوا ما عداه؛ لغنيتهم عنه.

واستمر الأمر على هذا النهج إلى أن

انقرض عصر الصحابة - القرن الأول - وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم،

وإن كانوا في الإتقان دونهم، ولم ينقض زمانهم - سنة 150 - إلا واللسان

العربي قد استحال أعجميا، أو كاد، فلا ترى المستقل به والمحافظ عليه إلا الآحاد،

فجهل الناس من هذا المهم ما كان يلزمهم معرفته، وأخروا منه ما كان يجب

عليهم تقدمته، فلما أعضل الداء، وعز الدواء، ألهم الله جماعة من أولي المعارف

والنهى أن يصرفوا إلى هذا الشأن طرفا من عنايتهم، فشرعوا للناس موارده،

وقعدوا لهم قواعده، فقيل: إن أول من جمع في هذا الفن شيئا أبو عبيدة معمر بن

المثنى البصري [56] ، فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتيبا صغيرا، ولم تكن

قلته لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما كان ذلك لأمرين: أحدهما: أن كل مبتدع

لأمر لم يسبق إليه فإنه يكون قليلا ثم يكثر، والثاني: أن الناس يومئذ كان فيهم بقية

وعندهم معرفة، فلم يكن الجهل قد عم. ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل

المازني [57] كتابا أكبر من كتاب أبي عبيدة بسط فيه القول على صغر حجمه، ثم

جمع عبد الملك بن قريب الأصمعي - وكان في عصر أبي عبيدة، وتأخر عنه - كتابا

أحسن فيه الصنع وأجاد، ونيف على كتابه وزاد، وكذلك محمد بن المستنير

المعروف بقطرب [58] ، وغيره من أئمة اللغة والفقه جمعوا أحاديث وتكلموا على

لغتها ومعناها في أوراق ذوات عدد، ولم يكد أحدهم ينفرد عن الآخر بكثير حديث

لم يذكره الآخر، واستمر الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام [59] ، وذلك بعد

المائتين، فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار أفنى فيه عمره؛ إذ جمعه

في أربعين سنة، وإنه لكتاب حافل بالأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة

والفوائد الجمة، ولقد ظن - رحمه الله - على كثرة تعبه وطول نصه أنه قد أتى

على معظم الغريب، وما علم أن الشوط بطين، والمنهل معين، ولقد بقي كتابه

معتمد الناس إلى عصر أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري [60] ،

فصنف كتابه المشهور ولم يودعه شيئا من كتاب أبي عبيد إلا ما دعت الحاجة إليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٢٥