التزم فيها الصحة، فصحح أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، ولم يتم الكتاب، وقد
رجحه بعض الحفاظ على مستدرك الحاكم، ومنها (السنن) كتابا الكبير والصغير،
كتابان لأحمد بن حسين البيهقي [14] قيل: لم يصنف في الإسلام مثلهما، قال ابن
الصلاح: ما تم كتاب في السنة أجمع للأدلة من كتاب السنن الكبرى للبيهقي،
وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثا إلا وقد وضعه في كتابه. ومنها بحر
الأسانيد للإمام الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي [15] جمع فيه مائة ألف
حديث، رتبه وهذبه ولم يقع في الإسلام مثله. ومنها الترغيب والترهيب للحافظ
المنذري [16] ، وهو من أحسن الكتب طريقة في جمع الحديث وبيان درجته،
وليت كتب الحديث كلها على نمطه، وهو مطبوع.
***
ترتيب كتب الحديث في الصحة
قد بينا فيما سلف درجة كل كتاب من كتب السنة الشهيرة في الصحة،
وها نحن أولاء ندلي إليك بفصل جم الفائدة عظيم العائدة ينجلي لك فيه ترتيب كتب
السنة من حيث الصحة لتكون على بينة من أمرها، فنقول وبالله توفيقنا:
قد قسم الجمهور الحديث الصحيح بالنظر إلى تفاوت الأوصاف المقتضية
للصحة إلى سبعة أقسام كل قسم منها أعلى مما بعده، فالأول ما أخرجه البخاري
ومسلم ويسمى بالمتفق عليه، والثاني ما انفرد به البخاري، والثالث ما انفرد به
مسلم، والرابع ما كان على شرطهما مما لم يخرجه واحد منهما، والخامس ما كان
على شرط البخاري، والسادس ما كان على شرط مسلم، والسابع ما صححه أحد
الأئمة المعتمدين، وترجيح كل قسم من هذه الأقسام السبعة على ما بعده إنما هو
من قبيل ترجيح الجملة على الجملة، لا ترجيح كل واحد من أفراده على كل واحد
من أفراد الآخر، فيسوغ أن يرجح حديث في مسلم على آخر في البخاري إذا
وجد موجب الترجيح، ولقد كتب الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله المحدث
الدهلوي [17] في كتابه (حجة الله البالغة) فصلا في طبقات كتب الحديث نورد لك
خلاصته، قال:
طبقات كتب الحديث أربع: فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء في ثلاثة
كتب: الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم.
والطبقة الثانية كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان
مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث، ولم
يتساهلوا فيها، وتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء، وذاعت
بين الناس كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي، وهذه الكتب مع
الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين بن معاوية العبدري السرقسطي في تجريد
الصحاح، وابن الأثير في جامع الأصول، وكاد مسند أحمد يكون من هذه الطبقة.
والطبقة الثالثة مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم وفي
زمنهما وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والمنكر
والغريب والشاذ والخطأ والصواب والثابت والمقلوب [18] ، ولم تشتهر في العلماء
ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء
كثير تداول ولم يفحص عن صحتها وضعفها المحدثون كبير فحص، ومنها ما لم
يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه على مذاهب السلف، ولا محدث
ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما
كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي باقية على استتارها وخمولها،
كمسند أبي يعلى، ومصنف عبد الرازق، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند
عبد بن حميد، ومسند الطيالسي، وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان
قصدهم جمع ما وجدوه من الحديث لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل.
والطبقة الرابعة كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في
الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختلفة فنوهوا بأمرها، وكانت
على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون، ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل