كتابا من التوراة وأمره بالعمل به دون غيره، وختم على سائر كتبه، وعهد إليه
ألا يفض الخاتم، فلما رأى ظهور الإسلام وانتشاره فض الخاتم، فرأى في الكتب
صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته فأسلم، ونقل عن ابن سعد أنه مات
سنة 32، وعن ابن حبان في الثقات أنه مات سنة 34، وأنه بلغ مائة وأربع
سنين، وقد عدلوا روايته، وذكروا أنه روى عنه بعض الصحابة ابن عمر وأبو
هريرة وابن عباس وابن الزبير ومعاوية، ولكن قال فيه معاوية: إن كان لمن
أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
رواه البخاري عنه في صحيحه، وأوله بعضهم أن المراد عدم وقوع ما يخبر
به لا اختلاقه الكذب.
***
أفضل النبيين والسؤال بحقه
(س8 و9) ومنه حضرة صاحب الفضيلة السيد محمد رشيد رضا المحترم
زيد في مجده، سيدي، السلام عليك ورحمة الله، وبعد، فالمرجو من فضيلتكم أن
تبين لنا الجواب عن السؤال الآتي وهو:
قد نص القرآن الكريم على أفضلية بعض النبيين على بعض في الدرجات، ولم
نر فيه آية تدلنا صريحا على من هو أفضلهم، وما هو نوع التفضيل، فإذا كان
الأفضل محمدا، فما الدليل؟ وبماذا كان أفضل؟
ثم إذا دعا أحد هكذا: (اللهم إني أسألك بحق أو بجاه محمد سيد المرسلين أن
تسهل لي رزقي أو تغفر لي ذنبي) ، مثلا، فهل هذا الدعاء جائز شرعا، أو يعد
ذلك شركا؟ أفيدونا أثابكم الله.
(ج) : هنا سؤالان لا سؤال واحد، وإننا نجيب عنهما باختصار لما سبق
لنا في موضوعهما من التفصيل في عدة مواضع:
فضل نبينا على سائر النبيين عليه وعليهم الصلاة والسلام:
الفضل في اللغة: الزيادة، وأفضل الشيئين أو الشخصين مثلا ذو الزيادة
في الصفات والمزايا والخصائص والأعمال الشريفة التي من شأنهما الاشتراك فيها،
فتكون موضوع التفاضل، فالأنبياء منهم المرسلون وغير المرسلين، والمرسلون
أفضل بما خصوا به من الرسالة، وقد كان كل رسول يرسل إلى قومه خاصة بشرع
مؤقت يليق بحالهم واستعدادهم للهداية، حتى استعد جميع البشر للهداية الكاملة العامة،
فبعث الله محمدا خاتم النبيين للناس كافة، وأكمل به دينه الذي بعث به من سبق من
رسله، وأتم نعمته عليهم، فكان رحمة عامة للعالمين، وإنما تكمل الأشياء بخواتيمها،
فكان أفضلهم بعموم بعثته وشمول هدايته وكمال الدين على لسانه ويده وحفظ كتابه
وآيته، وهذه مزايا تتعلق بموضوع الرسالة، والقرآن ناطق بكل منها، ولهذا قال في
تفسير قوله تعالى: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ (البقرة: 253) أنه هو المراد
بالبعض، والتلميح قد يختار على التصريح إذا كانت قرائن الحال معينة له، وقال
شيخنا الأستاذ الإمام: إن نكتة ذكره بين موسى وعيسى عليهم الصلاة في قوله:
{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا
عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} (البقرة: 253) هي التنبيه لكونه
هو الوسط، كما قال: إنه جعل أمته وسطا، وخير الأمور أوساطها. وقد كانت
شريعة موسى مشتملة على المبالغة والشدة في الأحكام الجسدية والأمور المادية،
وتعاليم عيسى مشتملة على المبالغة في أحكام الزهد والمواعظ الروحية، فجاءت
شريعة محمد وتعاليمه وسطا في كل منهما، كما بيناه بالتفصيل في مواضع من التفسير
وغير التفسير من أبواب المنار، ولما كانت أمم الرسل المعروفة في زمن بعثته
محصورة في أمة موسى وعيسى، كان ذلك من أقوى القرائن اللفظية على أن من
رفعه الله درجات هو النبي الذي بعث بعدهما؛ لأن حمله على نبي انقرضت أمته ولم
يبق أثر لشريعته بعيد وغير مفيد، وتتنزه بلاغة القرآن وهدايته عن ذلك.
سؤال الله بحق خاتم رسله وجاهه
سؤال الله تعالى ودعاؤه هو روح العبادة وركنها الأعظم، والقاعدة التي تلي
توحيد الله، وعدم إشراك أحد معه في العبادة هي أن عبادته تكون بما شرعه سبحانه