12.66-73
﴿ قال لن أرسله معكم ﴾ إذ رأيت منكم ما رأيت. ﴿ حتى تؤتون موثقا من الله ﴾ حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي عهدا مؤكدا بذكر الله. ﴿ لتأتننى به ﴾ جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به. ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعا وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به، في تأويل النفي أي لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أي ما أطلب إلا فعلك. ﴿ فلما ءاتوه موثقهم ﴾ عهدهم. ﴿ قال الله على ما نقول ﴾ من طلب الموثق وإتيانه. ﴿ وكيل ﴾ رقيب مطلع.
﴿ وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا، ولعله لم يوصهم بذلك في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي إليها خوفه على بنيامين. وللنفس آثار منها العين والذي يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في عوذته
" اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة "
﴿ وما أغنى عنكم من الله من شىء ﴾ مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر. ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك. ﴿ عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم.
﴿ ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ﴾ أي من أبواب متفرقة في البلد. ﴿ ما كان يغنى عنهم ﴾ رأي يعقوب واتباعهم له. ﴿ من الله من شىء ﴾ مما قضاه عليهم كما قال يعقوب عليه السلام. فسرقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب. ﴿ إلا حاجة فى نفس يعقوب ﴾ استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه، يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا. ﴿ قضاها ﴾ أظهرها ووصى بها. ﴿ وإنه لذو علم لما علمناه ﴾ بالوحي ونصب الحجج، ولذلك قال ﴿ وما أغنى عنكم من الله من شىء ﴾ ولم يغتر بتدبيره. ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر.
﴿ ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ﴾ ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل روي: (أنه أضافهم فأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيدا فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزل كل اثنين منكم بيتا وهذا لا ثاني له فيكون معي فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، قال: من يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و ﴿ قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس ﴾ فلا تحزن افتعال من البؤس.
﴿ بما كانوا يعملون ﴾ في حقنا فيما مضى.
﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية ﴾ المشربة. ﴿ فى رحل أخيه ﴾ قيل كانت مشربة جعلت صاعا يكال به وقيل: كانت تسقى الدواب بها ويكال بها وكانت من فضة. وقيل من ذهب وقرىء و «جعل» على حذف جواب فلما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا. ﴿ ثم أذن مؤذن ﴾ نادى مناد. ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ لعله لم يقله بأمر يوسف عليه الصلاة والسلام أو كان تعبية السقاية والنداء عليها برضا بنيامين. وقيل معناه إنكم لسارقون يوسف من أبيه أو أئنكم لسارقون، والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تتردد، فقيل لأصحابها كقوله عليه الصلاة والسلام
" يا خيل الله اركبي "
وقيل جمع عير وأصله فعل كسقف فعل به ما فعل ببيض تجوز به لقافلة الحمير، ثم استعير لكل قافلة.