تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.8

﴿ إذ قالوا ليوسف وأخوه ﴾ بنيامين وتخصيصه بالإضافة لاختصاصه بالاخوة من الطرفين. ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ وحده لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه، والمذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلي جائز في المضاف. ﴿ ونحن عصبة ﴾ والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما، والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم. ﴿ إن أبانا لفى ضلل مبين ﴾ لتفضيله المفضول أو لترك التعديل في المحبة. روي أنه كان أحب إليه لما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له.

12.9-15

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ من جملة المحكي بعد قوله إذ قالوا كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إلا من قال «لا تقتلوا يوسف». وقيل إنما قاله شمعون أو دان ورضي به الآخرون.

﴿ أو اطرحوه أرضا ﴾ منكورة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك نصبت كالظروف المبهمة. ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ جواب الأمر. والمعنى يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد. ﴿ وتكونوا ﴾ جزم بالعطف على ﴿ يخل ﴾ أو نصب بإضمار أن. ﴿ من بعده ﴾ من بعد يوسف أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه. ﴿ قوما صلحين ﴾ تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم.

﴿ قال قائل منهم ﴾ يعني يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا. وقيل روبيل. ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ فإن القتل عظيم. ﴿ وألقوه فى غيابة الجب ﴾ في قعره، سمي بها لغيبويته عن أعين الناظرين. وقرأ نافع في «غيابات» في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب غيابات. وقرىء «غيبة» و «غيابات» بالتشديد. ﴿ يلتقطه ﴾ يأخذه. ﴿ بعض السيارة ﴾ بعض الذين يسيرون في الأرض. ﴿ إن كنتم فعلين ﴾ بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه.

﴿ قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ﴾ لم تخافنا عليه. ﴿ وإنا له لنصحون ﴾ ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم، والمشهور ﴿ تأمنا ﴾ بالإدغام بإشمام. وعن نافع بترك الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام لأنهما من كلمتين وتيمنا بكسر التاء.

﴿ أرسله معنا غدا ﴾ إلى الصحراء. ﴿ يرتع ﴾ نتسع في أكل الفواكه ونحوها من الرتعة وهي الخصب. ﴿ ويلعب ﴾ بالاستباق والانتضال. وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين على أنه من ارتعى يرتعي ونافع بالكسر والياء فيه وفي ﴿ يلعب ﴾. وقرأ الكوفيون ويعقوب بالياء والسكون على إسناد الفعل إلى يوسف. وقرىء ﴿ يرتع ﴾ من أرتع ماشيته و ﴿ يرتع ﴾ بكسر العين و ﴿ يلعب ﴾ بالرفع على الابتداء. ﴿ وإنا له لحفظون ﴾ من أن يناله مكروه.

﴿ قال إنى ليحزننى أن تذهبوا به ﴾ لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه. ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ لأن الأرض كانت مذأبة. وقيل رأى في المنام أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره عليه، وقد همزها على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون، وفي رواية اليزيدي وأبو عمرو وقفا وعاصم وابن عامر وحمزة درجا واشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة. ﴿ وأنتم عنه غفلون ﴾ لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه.

﴿ قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ﴾ اللام موطئة للقسم وجوابه: ﴿ إنا إذا لخسرون ﴾ ضعفاء مغبونون، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والواو في ﴿ ونحن عصبة ﴾ للحال.

﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب ﴾ وعزموا على إلقائه فيها، والبئر بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى. فقد روي (أنهم لما بروزا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا: أما عاهدتموني أن لا تقتلوه فأتوا به إلى البئر، فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا: ادع الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبريل بالوحي) كما قال: ﴿ وأوحينا إليه ﴾ وكان ابن سبع عشرة سنة. وقيل كان مراهقا أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. وفي القصص: أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل عليه السلام وألبسه إياه ﴿ لتنبئنهم بأمرهم هذا ﴾ لتحدثتهم بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات، وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين ﴿ فعرفهم وهم له منكرون ﴾. بشره بما يؤول إليه أمره إيناسا له وتطييبا لقلبه. وقيل ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ متصل ب ﴿ أوحينا ﴾ أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٥٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٥٩٨