تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.47

﴿ قال تزرعون سبع سنين دأبا ﴾ أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأبا وتكون الجملة حالا. وقرأ حفص ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل. وقيل ﴿ تزرعون ﴾ أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله: ﴿ فما حصدتم فذروه فى سنبله ﴾ لئلا يأكله السوس، وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة. ﴿ إلا قليلا مما تأكلون ﴾ في تلك السنين.

12.48-54

﴿ ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به. ﴿ إلا قليلا مما تحصنون ﴾ تحرزون لبذور الزراعة.

﴿ ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس ﴾ يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث. ﴿ وفيه يعصرون ﴾ ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار. وقيل يحلبون الضروع. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي، وقرىء على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضا، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر. وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب، أو بأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده بعدما ضيق عليهم: ﴿ وقال الملك ائتونى به ﴾ بعد ما جاءه الرسول بالتعبير ﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ ليخرجه. ﴿ قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة التى قطعن أيديهن ﴾ إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم

" لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة "

وإنما قال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجا له على البحث وتحقيق الحال، وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب وقرىء ﴿ النسوة ﴾ بضم النون. ﴿ إن ربى بكيدهن عليم ﴾ حين قلن لي أطع مولاتك، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن.

﴿ قال ما خطبكن ﴾ قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه. ﴿ إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ﴾ تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله. ﴿ ما علمنا عليه من سوء ﴾ من ذنب. ﴿ قالت امرأة العزيز الئن حصحص الحق ﴾ ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركه ليناخ قال:

فحصحص في صم الصفا ثفناته

وناء بسلمى نوأة ثم صمما

أو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه. وقرىء على البناء للمفعول.

﴿ أنا رودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين ﴾ في قوله:

هى راودتنى عن نفسى

[يوسف: 26] ﴿ ذلك ليعلم ﴾ قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك التثبت ليعلم العزيز. ﴿ أني لم أخنه بالغيب ﴾ بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه، أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة. ﴿ وأن الله لا يهدى كيد الخئنين ﴾ لا ينفذه ولا يسدده، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة. وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله:

﴿ وما أبرىء نفسى ﴾ أي لا أنزهها تنبيها على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق. وعن ابن عباس أنه لما قال: ﴿ ليعلم أنى لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبريل ولا حين هممت فقال: ذلك. ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات. ﴿ إلا ما رحم ربى ﴾ إلا وقت رحمة ربي، أو إلا ما رحمه الله من النفوس فعصمه من ذلك. وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة. وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه. وعن ابن كثير ونافع ﴿ بالسو ﴾ على قلب الهمزة واوا ثم الادغام. ﴿ إن ربى غفور رحيم ﴾ يغفر هم النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٦١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٦١١