والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما..
[المائدة: 38]. إنه الإذن باحتمال ارتكاب السرقة، وكذلك الأمر بالنسبة للزنا، وغير ذلك من الجرائم التي جعل لها الحق سبحانه عقوبات تتناسب مع الضرر الواقع على النفس أو المجتمع من وقوعها، فإذا رأيت مسلما يسرق، فتذكر العقاب الذي أوقعه الإسلام على السارق، وإن رأيت مسلما يزني، فتذكر العقوبة التي حددها الحق سبحانه للزاني. وهكذا الحال في جميع الجرائم. وكبار المفكرين العالميين الذين يتجهون إلى الإسلام إنما يدرسون مبادىء الدين مفصولة عن سلوك المسلمين المعاصرين، الذين ابتعدوا عن مبادىء الدين الحنيف.
وها هو ذا " جينو " المفكر الفرنسي يقول: " الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين، فلو كنت قد عرفت المسلمين قبل الإسلام لكان هناك احتمال لزلزلة في النفس تجعلني أتردد في الدخول إلى هذا الدين الرفيع المقام ". إذن: فإعمال العقل الراقي لا بد أن يؤدي إلى الإسلام لأنه فطرة الله، والإسلام ينميها، ويرتقي بها، والعقل هو مناط التكليف. والرجس والذنب والعذاب كله إنما يقع على الذين لا يعملون عقولهم، وإعمال العقل المتعقل للقيم ينفي الرجس لأنهم سيقبلون على التدين بإذن الله تعالى لهم أن يدخلوا على الإيمان به. وإذا سألني سائل: ما هو العقل؟ وما هو مناط التكليف؟ نجد أن كلمة " عقل " مأخوذة من عقال البعير، وهو ما يشد على ركبته حتى لا ينهض، ويظل ساكنا، وحين يريد صاحبه أن ينهضه فهو يفك العقال. وأهل الخليج يضعون على رؤوسهم غطاء للرأس غترة ويثبتونه بنسيج مغزول على هيئة حلقتين، ويسمون هاتين الحلقتين " العقال " لأنه يمنع غطاء الرأس من أن يحركه الهواء، أو يطيره. إذن: فالعقل أراده الله سبحانه لنا ليحجزنا عن الانطلاق والفوضى في تحقيق شهوات النفس لأنه سبحانه قد خلق النفس البشرية، ويعلم أنها تحب الشهوات العاجلة، فأراد سبحانه للإنسان أن يكبح جماح تلك الشهوات بالعقل. فحين يفكر الإنسان في تحقيق الشهوة العاجلة، يجد عقله وهو يهمس له: إنك ستستمتع بالشهوة العاجلة دقائق، وأنت قد تأخذها من غيرك من محارمه أو من ماله، فهل تسمح لغيرك أن يأخذ شهوته العاجلة منك؟ إذن: عليك أن تعلم أن العقل إنما أراده الله سبحانه لك ليعقلك عن الحركة التي فيها هوى، وتحقق بها شهوة ليست لك، ومغبتها متعبة. ويخطىء من يظن أن العقل يفتح الباب أمام الانطلاق اللا مسئول باسم الحرية، ونقول لمن يظن مثل هذا الظن: إن العقل هو مناط التكليف، وهو الذي يوضح لك آفاق المسئولية في كل سلوك. ومن عدالة الحق سبحانه أنه لم يكلف المجنون لأن حكم المجنون على الأشياء والأفعال هو حكم غير طبيعي لأنه يفتقد آلة الاختيار بين البدائل. وكذلك لم يكلف الله سبحانه من لم ينضج بالبلوغ لأنه غير مستوف للملكات، ولم تستو لديه القدرة على إنجاب مثيل له. وقد ضربنا من قبل المثل بالثمرة، وقلنا: إنه لا يقال إن الثمرة نضجت وصار طعمها مقبولا مستساغا إلا إذا أصبحت البذرة التي فيها قادرة على أن تنبت منها شجرة إن زرعناها في الأرض. وأنت مثلا حين تقطع البطيخة، وتجد لبها أبيض اللون فأنت لا تأكلها، وتحرص على أن تأكل البطيخة ذات البذر الذي صار أسود اللون لأنه دليل نضج البطيخة، وأنت حين تأخذ هذا اللب وتزرعه ينتح لك بطيخا.
إذن: فاكتمال الإنسان بالبلوغ يتيج لعقله أن يزن السلوك قبل الإقدام عليه، والتكليف إنما يكون للعاقل البالغ غير المكره بقوة تقهره على أن يفعل ما لا يعقله. أما قبل البلوغ فالتكليف ليس من الله، بل من الأسرة، لتدربه على الطاعة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا:
" مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع ".