تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.56

ونحن نعلم أن حركة الحياة، والملك والملك، هي فروع من الأحياء، وهو سبحانه حي لأنه مالك الأصل، وهو القادر على أن يميت، وكل ما يصدر عن الحياة يسلبه الله سبحانه بالموت، فهو مالك الأشياء، والأسباب التي تنتج الأشياء، ولا يفوته شيء من وعد ولا وعيد، ونحن نحيا بمشيئته سبحانه، ونموت بمشيئته سبحانه، فلن نفلت منه. لذلك قال سبحانه: ﴿ وإليه ترجعون ﴾ فمن لا يعتبر بأمر الأحياء عليه أن يرتدع بخوف الرجعة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ يأيها الناس قد جآءتكم موعظة... ﴾.

10.57

والخطاب هنا للناس جميعا لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله تعالى:

ياأيها الذين آمنوا..

[البقرة: 104]. فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج. والحق سبحانه وتعالى يخاطب الناس كافة بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه:

يأيها الناس اتقوا ربكم..

[النساء: 1]. أما المؤمنون فسبحانه يكلفهم بخطابه إليهم، من مثل قول الحق سبحانه:

يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام..

[البقرة: 183]. ومثل قول الحق:

يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى..

[البقرة: 178]. أي: أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائما في الأحكام التي يخطاب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد الموجد، فهذا يكون خطابا للناس كافة. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ يأيها الناس قد جآءتكم موعظة.. ﴾ [يونس: 57]. والأية هنا تصور الموعظة وكأنها قد تجسدت وصار لها مجيء، رغم أن الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطي للموعظة صورة الحركة التي تؤثر وتحض على الإيمان. والموعظة هي الوصية بالخير والبعد عن الشر بلفظ مؤثر، ويقال: فلان واعظ متميز، أي: أن كلامه مستميل وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائما أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق الأداء لأن الموعوظ قد يقول في نفسه: لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه. ولنتذكر الحكمة التي تقول: " النصح ثقيل، فلا تجعلوه جدلا، ولا ترسلوه جبلا، واستعيروا له خفة البيان " وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميل المقنع الممتع الذي يعجبه، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه. والموعظة تختلف عن الوصية لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهب أن إنسانا مريضا وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقولم بكتابة وصيته، ويوصيهم بعيون المسائل. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ قد جآءتكم موعظة.. ﴾ [يونس: 57]. والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها، ولأنها موعظة قادمة ﴿ من ربكم ﴾ فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله لأن الإله يريدك عابدا، لكن الرب هو المربي والكفيل، وإن كفرت به. وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي: أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين قسمين: القسم الأول هو مقومات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قوت ورزق - وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر - والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط. إذن: فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم لأنه هو الذي خلق من عدم وأمد من عدم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل الخلق.

إذن: فالموعظة تجيء ممن يعطي ولا ينتظر منك شيئا، فهو سبحانه منزه عن الغرض لأنه لن ينال شيئا منك فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه. والموعظة القادمة بالمنهج تخص العقلاء الراشدين لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولا، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير مرتبة ولا منسقة، ولا تمر على عقله لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل. ولكن لماذا يفسد العاقل الاختيار بين البدائل؟ إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور.. ﴾ [يونس: 57]. أي: أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غل يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، وينقي باطن الإنسان لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا بد أن يشفى النبع الوجداني ليصح حتى تخرج الحركات من الجوارح وهي نابعة من وجدان طاهر مصفى وسليم وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ وشفآء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ﴾ [يونس: 57]. وجاءت كلمة " الشفاء " أولا، لتبين أن الهداية الحقة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تخرج ما في قلبه من أهواء، ثم تدله إلى المنهج المستقيم. وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما يمرض الصدور، أما الرحمة فهي اتباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٧٣