تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.31

أي: أن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اسألهم هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا من يثق في أن المسئول لو أدار في ذهنه كل الأجوبة، فلن يجد جوابا غير ما عند السائل. ومثال ذلك من حياتنا - والله المثل الأعلى - إن جاء لك من يقول: أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله: من جاء لك بهذه الملابس وذلك القلم ويطعمك ويعلمك؟ سيقول لك: أبي. وأنت لا تسأله هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أدار كل الأجوبة فلن يجد جوابا إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى لأنك لو كنت تعرف أنه سوف يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة. والحق سبحانه وتعالى قال في بداية هذه الآية الكريمة: ﴿ قل ﴾ كما أنزل عليه مثيلاتها مما بدىء بقوله سبحانه: ﴿ قل ﴾ مثل قوله سبحانه:

قل هو الله أحد

[الصمد: 1]. وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائما للخلق، ويختلف عن خطاب الخلق للخلق، فحين تقول لابنك: " اذهب إلى عمك، وقل له كذا ". فالابن يذهب إلى العم ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له: " قل " ، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلغنا به رسوله الله صلى الله عليه وسلم كما نزل ﴿ قل ﴾ فالرسول صلى الله عليه وسلم أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن يبلغها للبشر، وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي أمره، فهو يبلغ ما أمر، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه. وكذلك أمر الحق - سبحانه - هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: ﴿ من يرزقكم من السمآء والأرض.. ﴾ [يونس: 31]. ونحن نعلم أن الرزق هو ما ينتفع به، والانتفاع الأول مقوم حياة، والثاني ترف أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ونبات يخرج من الأرض. وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة مقدما، فلم يقل لرسوله صلى الله عليه وسلم: " أجب أنت " بل ترك لهم أن يجيبوا بأنفسهم. وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر: ﴿ أمن يملك السمع والأبصار.. ﴾ [يونس: 31]. والسمع والبصر هما السيدان لملكات الإدراك لأن إدراك المعلومات له وسائل متعددة، إن أردت أن تدرك رائحة فبأنفك، وإن أردت أن تدرك نعومة فبلمسك وببشرتك، وإن أردت أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإن أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان، وإن أردت أن تسمع فبأذنك. وكذلك تتجلى لك المرائي بعينيك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس لتكون أشياء نسميها الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلا جذابا، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه فلا يقرب منها أبدا من بعد ذلك لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة، واستقر هذا لديه يقينا.

وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية. إذن: فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان فتصبح عقائد. إذن: فمراحل الإدراك هي: إدراك حسي، وتفكر عقلي، فانتهاء عقدي ولذلك نسمي الدين عقيدة. أي: أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة لا تحله بعدها من جديد لتحلله، فهذا يسمى عقيدة. ولذلك حينما أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يقص علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية ليربي الإنسان معلوماته، قال الحق سبحانه:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. لذلك يقال: " كما ولدته أمه " ، أي: لم يعط القدرة على استخدام حواسه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادرا على استخدامها. ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع البلاغ بمنهج الله سبحانه وتعالى من الرسل. وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى العجائب فقال: " اعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم ". فالصوت يطرق عظمة الأذن، ويرن على طبلتها، ونرى بشحمة العين، وننطق بلحمة اللسان. وأضاف البعض: " ونشم بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين ". فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك. وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث حين تكلم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة. وهذا يعني أن هناك حواسا أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البين بين، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذاك، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين. وكذلك حاسة العضل التي تزن ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلا ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل يختلف عن إجهاد حمل ثقل آخر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٣٩