تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.67

وشاء الحق سبحانه بعد أن بين الإيمان والمؤمنين، وما يمكن أن يدعيه الكافرون في نبي الرسالة، وبعد أن بين المنهج، ها هو سبحانه يأتي بالكلام عن آياته سبحانه في الكون تأييدا للمطلوب بالموجود. فالمطلوب أن نؤمن برسول يبلغ منهجا عن الله ليكون هذا المنهج نافعا لنا، وإن أراد أحد دليلا على ذلك فلينظر إلى الآيات التي وجدت للإنسان من قبل أن يكلف، أهي في مصلحته أم غير مصلحته؟ وما دامت الآيات الموجودة في الكون - والمسخرة للإنسان - تفيد الإنسان في حياته، فلماذا لا يشكر من أعطاه كل تلك النعم، وقد أعطى الحق - سبحانه وتعالى - الإنسان من قبل التكليف الكثير من النعم، وفور أن يصل إلى البلوغ يصير مكلفا. إذن: فالله سبحانه لم يكلف أحدا إلا بعد أن غمره بالنعم النافعة له باعتقاد من العبد وصدق من الواقع. فإذا ما جاء لك التكليف، فقس ما طلب منك على ما وجد لك، فإذا كنت تعتقد أن الآيات الكونية التي سبقت التكليف نافعة لك قبل أن يطلب منك " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " فخذ منها صدقا واقعا يؤيد صدق ما طلب منك تكليفا، فكما نفعك في الأولى، فالحق سبحانه سينفعك باتباعك التكليف، واستقبل حركة الحياة على ضوء هذا التكليف لتسعد. ونحن نعلم أن الأصل في الإنسان أن يرتاح أولا ليتحرك، ثم يتعب، ثم يرتاح ولذلك نجد التكاليف قد جاءت على نفس المنوال، فقد أراحك الحق سبحانه إلى سن البلوغ وأخذت نعم الله تعالى وتمتعت بها إلى سن البلوغ، ارتحت اختيارا، وارتحت في مراداتك، ثم تجيء " افعل " و " لا تفعل " لتلتزم بما يصلح لك كل أحوالك. وإذا كان التكليف سيأخذ منك بعضا من الجهد، فهناك فاصل زمني للراحة، وأنت في حياتك تجد وقتا للراحة، ووقتا للحركة، والراحة تجعلك تسعى بنشاط إلى الحركة، والحركة تأخذ منك الجهد الذي تحب أن ترتاح بعده. إذن: فالحركة تحتاج للراحة، والراحة تحتاج للحركة. وجاء الحق سبحانه إلى الفترة الزمنية المسماة " اليوم " ، فبين لنا أنه كما قسم الوجود الإنساني إلى مرحلتين: الأولى: هي ما قبل البلوغ ولا تكليف فيها. والثانية: هي ما بعد البلوغ وفيها التكليف. فقد قسم الله سبحانه أيضا " اليوم " إلى وقت للراحة ووقت للحركة، فقال تعالى ﴿ هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.. ﴾ [يونس: 67]. فكما خلق الحق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة، ووقت للحركة، كذلك شرع الحق سبحانه منهج الدين لتستقيم حركة الحياة لأن الإنسان - الخليفة في الأرض - لا بد أن يتحرك، ولا بد أن تكون حركته على مقتضى " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله.

وكل فعل، وكل نهي يتطلب حركة، وإياك أن تتصور أن النهي لا يتطلب حركة لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف، وقد تتوهم أن التوقف لا يحتاج إلى حركة لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل، ولكنك تنسى أن هناك حركة داخلية، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا يواكب منهج الله، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها لأن الله سبحانه قد أمرك بذلك. وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب لذلك جعل الله تعالى لك حقا في الراحة. وكذلك عمر الإنسان، لم يكلف الله - تعالى - الإنسان إلا بعد البلوغ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه وحساب، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتا، وإنما منع حسابه على ما " يفعل " أو " لا يفعل " ، وترك مسئولية التدريب على التكليف للأب مثلا، فالأب يقول لابنه: " لا تكذب " فإن كذب فالأب يعاقبه، وهكذا يكون الأمر من الوالد، والنهي للولد والأمر والنهي يتطلب ثوابا أو عقابا. ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فيقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٩٠