10.92
ونحن نعرف أن الإنسان مكون من بدن، وهو الهيكل المادي المصور على تلك الصورة التي نعرفها، وهناك الروح التي في البدن، وبها تكون الحركة والحياة. وساعة نقول: " بدن " ، فافهم أنها مجردة عن الروح، مثلما نقول: جسد. وإذا أطلقت كلمة " جسد " فمعناها الهيكل المادي المجرد من الروح. والحق سبحانه هو القائل:
ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا..
[ص: 34]. وكان سيدنا سليمان - عليه السلام - يستمتع بما آتاه الله سبحانه من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الجن والرياح وعلمه كل اللغات، وكان صاحب الأوامر والنواهي والهيمنة، ثم وجد نفسه قاعدا على كرسيه بلا حراك وبلا روح، ويقدر عليه أي واحد من الرعية، ثم أعاد الله له روحه إلى جسده، وهو ما يقوله الحق سبحانه:
.. ثم أناب
[ص: 34]. أي: أنه أفاق لنفسه، فعلم أن كل ما يملكه هو أمر مفاض عليه، لا أمر نابع من ذاته. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية.. ﴾ [يونس: 92]. وبالله، لو لم يأمر الحق البحر بأن يلفظ جثمان فرعون، أما كان من الجائز أن يقولوا: إنه إله، وإنه سيرجع مرة أخرى؟ ولكن الحق سبحانه قد شاء أن يلفظ البحر جثمانه كما يلفظ جيفة أي حيوان غارق حتى لا يكون هناك شك في أن هذا الفرعون قد غرق، وحتى ينظر من بقي من قومه إلى حقيقته، فيعرفوا أنه مجرد بشر، ويصبح عبرة للجميع، بعد أن كان جبارا مسرفا طاغية يقول لهم:
ما علمت لكم من إله غيري..
[القصص: 38]. وبعض من باحثي التاريخ يقول: إن فرعون المقصود هو " تحتمس " ، وإنهم حللوا بعضا من جثمانه، فوجدوا به آثار مياه مالحة. ونحن نقول: إن فرعون ليس اسما لشخص، بل هو توصيف لوظيفة، ولعل أجساد الفراعين المحنطه تقول لنا: إن علة حفظ الأبدان هي عبرة وليتعظ كل إنسان ويرى كيف انهارت الحضارات، وكيف بقيت تلك الأبدان آية نعتبر بها. وقد تعرض القرآن لمسألة الفرعون، فقال الحق سبحانه:
وفرعون ذى الأوتاد
[الفجر: 10]. ويقول سبحانه في نفس السورة عن كل جبار مفسد:
إن ربك لبالمرصاد
[الفجر: 14]. ونلحظ أن كلام الحق سبحانه عن فرعون في سورة الفجر كان كلاما يضم إلى جانب حضارة الفراعنة حضارات أخرى قديمة، مثل حضارة عاد وحضارة ثمود. وكذلك تكلم الحق سبحانه عن الفرعون في أثناء لقطات قصة موسى عليه السلام، ولكن الكلام يختلف في قصة يوسف عليه السلام، فلا تأتي وظيفة الفرعون، بل يحدثنا الحق سبحانه عن وظائف أخرى، هي وظية " عزيز مصر " - أي: رئيس وزرائها - ويحدثنا الله سبحانه عن ملك مصر بقوله:
وقال الملك ائتوني به
[يوسف: 50]. ولم يكتشف الفارق بين وظيفة " الفرعون " ووظيفة " الملك " في التاريخ المصري إلا بعد أن جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وفك " شامبليون " رموز اللغة الهيروغليفيه من خلال نقوش حجر " رشيد " ، فعرفنا أن حكام مصر القديمة كانوا يسمون " الفراعنة " إلا في فترة كانت فيها مصر تحت حكم " ملوك الرعاة " أو " الهكسوس " الذين أغاروا على مصر، وحكموها حكما ملكيا وقضوا على حكم الفراعنة، ثم عاد الفراعنة إلى حكم مصر بعد أن خلصوها من سيطرة " الهكسوس ". وهكذا نجد أن إشارة القرآن في قصة يوسف - عليه السلام - كانت إلى الملك، ولم يأت فيها بذكر فرعون، وهذا دليل على أن القرآن قد سبق بعلمه أي اكتشاف، وكلما جاء اكتشاف جديد أو ابتكار حقيقي، نجده يؤيد كتاب الله. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿.. وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ [يونس: 92]. وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أذن بميلادها عند البحث عنها لتستبين عظمة الله في خلقه. وحين ينظر الإنسان في تلك الابتكارات سيجدها وليدة أفكار من نظروا بإمعان، وامتلكوا قدرة الاستنباط، ولو لم يغفل الناس عن النظر في آيات الكون، والسماوات والأرض، لزادت الابتكارات والاختراعات، والحق سبحانه هو القائل: