تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقارن بين خدمتك لدينك في الدنيا بما ينتظرك من نعيم الآخرة وسوف تجد المسافة بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة شاسعا، ولا مقارنة. وقول الحق سبحانه: ﴿ ومن ضل فإنما يضل عليها.. ﴾ [يونس: 108]. نجد فيه كلمة ﴿ عليها ﴾ وهي تفيد الاستعلاء على النفس، أي: أنك بالضلال - والعياذ بالله - تستعلي على نفسك، وتركب رأسك إلى الهاوية. وفي المقابل تجد قول الحق سبحانه: ﴿ فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.. ﴾ [يونس: 108]. وتجد " اللام " هنا تفيد الملك لذلك يقال: " فلان له " و " فلان عليه ". وبعد ذلك يقول الحق سبحانه في ختام سورة يونس: ﴿ واتبع ما يوحى إليك... ﴾.

10.109

وإذا كان الحق سبحانه قد أورد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم:

يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم..

[يونس: 108]. فهذا يعني البلاغ بمنهج الله - تعالى - النظري، ولا بد أن يثق الناس في المنهج، بأن يكون الرسول هو أول المنفذين للمنهج، لأنه - معاذ الله - لو غش الناس جميعا لما غش نفسه. إذن: فبعد البلاغ عن الحق سبحانه، وتعريف الناس بأن الهداية لا يعود نفعها على الحق، بل هي للإنسان، فيملك نفسه ويملك زمام حياته، فيسير براحة البال في الدنيا إلى نعيم الآخرة، وأن الضلال لا يعود إلا باستعلاء الإنسان على نفسه ليركبها إلى موارد التهلكة. والرسول صلى الله عليه وسلم ليس وكيلا عنكم، يأتي لكم بالخير حين لا تعملون خيرا، ولا يصرف عنكم الشر وأنتم تعملون ما يستوجب الشر. ولذلك كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هو النموذج والأسوة:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا

[الأحزاب: 21]. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ واتبع ما يوحى إليك.. ﴾ [يونس: 109]. أي: عليك أن تكون الأسوة، وحين تتبع ما يوحى إليك ستجد عقبات ممن يعيشون على الفساد، ولا يرضيهم أن يوجد الإصلاح، فوطن العزم على أن تتبع ما يوحى إليك، وأن تصبر. ومجيء الأمر بالصبر دليل على أن هناك عقبات كثيرة، وعليك أن تصبر وتعطي النموذج لغيرك، والثقة في أنه لو لم يكن هناك خير في اتباع المنهج لما صبرت عليه حتى يأتي حكم الله ﴿.. واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ﴾ [يونس: 109]. وليس هناك أعدل ولا أحكم من الله سبحانه وتعالى. وهذه السورة التي تختم بهذه الآية الكريمة، تعرضت لقضية الإيمان بالله، قمة في عقيدة لإله واحد يجب أن نأخذ البلاغ منه سبحانه لأنه الرب الذي خلق من عدم، وأمد من عدم، ولم يكلفنا إلا بعد مرور سنوات الطفولة وإلى البلوغ حتى يتأكد أن المكلف يستحق أن يكلف بعد أن انتفع بخيرات الوجود كله، وتثبت من صدق الربوبية. ومعنى الربوبية هو التربية، وأن يتولى المربي المربى إلى أن يبلغ حد الكمال المرجو منه. وقد صدقت هذه القضية في الكون. إذن: نستمع إلى الرب - سبحانه وتعالى - الذي خلق، حين يبين لنا مهمتنا في الحياة بمنهج تستقيم به حركة الحياة، ويستقيم أمر الإنسان مع الغاية التي يعرفها قبل أن يخطو أي خطوة. ومن المحال أن يخلق الله - سبحانه وتعالى - المخلوق ثم يضيعه، بل لا بد أن يضع له قانون صيانة نفسه لأن كل صنعة إنما يضع قانونها ويحدد الغاية لها من صنعها، فإذا ما خالفنا ذلك نكون قد أحلنا وغيرنا الأمور، وأدخلنا العالم في متاهات، وصار لكل امرىء غاية، ولكل امرىء منهج، ولكل عقل فكر، ولصار الكون متضاربا لأن الأهواء ستتضارب، فتضعف قوة الأفراد لأن الصراع بين الأنداد يضعف قوة الفرد عن معالجة الأمر الذي يجب أن يعالجه.

فأراد الله - سبحانه وتعالى - توحيدا في العقيدة، وتوحيدا في المنهج. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثلا تطبيقيا في مواكب الرسالات، فذكر لنا في هذه السورة قصة نوح - عليه السلام - وقصة موسى وهارون - عليهما السلام - وذكر بينهما القصص الأخرى. ثم ذكر قضية يونس عليه السلام. ثم ختم السورة بقوله سبحانه: ﴿ واتبع ما يوحى إليك.. ﴾ [يونس: 109]. بلاغا عن الله تعالى. وما دمت تبلغ، وأمتك أمة محسوبة - إلى قيام الساعة - أنها وارثة النبوة، ولم تعد هناك نبوة بعدك يا محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. وأراد الحق سبحانه لأمتك أن يحملوا الدعوة للمنهج الذي نزل إليك. إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون شهيدا بأنه قد بلغ، ويجب أن تكون أمته شهيدة بأنها بلغت، وأوصلت رسالة الله إلى الدنيا، وهذا شرف مهمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يكن لأمة غيرها مثل هذا الشرف فقد كان الأمر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعوة أي رسول تفتر، وتبهت تكاليفه، ويغفل عنها الناس، فيرسل الله - سبحانه وتعالى - رسولا، ولكن الأمر اختلف بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فلم تعد هناك نبوة، ولا رسالة، ولكن صار هناك من يحملون منهج الله تعالى. والرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة؟ لأنه مبلغ منهج الله، وهو أسوة في تطبيق قانون صيانة الإنسان وحركته، ونموذج تطبيقي حتى لا يكلف الناس فوق ما تطيقه إنسانيتهم ولذلك كان يصر على أنه بشر، وأوضح القرآن الكريم ذلك بلا أدنى غموض:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٥٣