10.60
وهذه الآية توضح أن كل أمر بحساب، فالذين يفترون على الله الكذب سيجدون حسابهم يوم القيامة عسيرا، فالحق سبحانه منزه عن الغفلة، ولو ظنوا أنه لا توجد آخرة ولن يوجد حساب فهم يخطئون الظن. ولو استحضروا ما أعده الله لهم من العذاب والنكال يوم القيامة لما فعلوا ذلك، ولكنهم كالظان بأن الله - سبحانه وتعالى - غافل عن أفعالهم، وكأنها أفعال لا حساب عليها، ولا كتابة لها، ولا رقيب يحسبها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ [يونس: 60]. إن الله سبحانه متفضل على كل خلقه - وأنتم منهم - بأشياء كثيرة فلم تحرمون أنفسكم من هذا الفضل؟! ولو شكرتم الله تعالى على هذا التفضل لزاد من عطائكم، لكنكم تنسون الشكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن... ﴾.
10.61
والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ما تكون يا محمد في شأن. والشأن: هو الحال العظيم المتميز الذي يطرأ على الأمر. ونحن في حياتنا اليومية نقول: ما شأنك اليوم أو ما حالك؟ وهنا يجيب السامع بالشيء الهام الذي حدث له أو فعله، ويتناسى التافه من الأمور. ولذلك يصف الله تعالى نفسه فيقول:
كل يوم هو في شأن
[الرحمن: 29]. أي: لا تظنوا أن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق النواميس والقوانين، وقال لها: اعملي أنت، لا فهو سبحانه كل يوم في شأن. ولذلك حين سئل أحد العلماء: ما شأن ربك الآن وقد صح أن القلم قد جف؟ فقال: " أمور يبديها ولا يبتديها ". أي: أنه سبحانه قد رسم كل شيء، وجعل له زمانا ليظهر، فهو سبحانه قيوم، أي: مبالغ في القيام على مصالحكم ولذلك يطمئننا سبحانه - وقد جعل الليل لنومنا وراحتنا - بأنه سبحانه قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو يراعينا. فالحديث في الآية التي نحن بصددها موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وما تكون في شأن.. ﴾ [يونس: 61]. وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يهتم به ليس المأكل ولا المشرب، إنما المهم بالنسبة له هو بلاغ الرسالة بالمنهج ب " افعل " و " لا تفعل ". ﴿ وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن.. ﴾ [يونس: 61]. و " منه " هنا بمعنى اللام، أي: ما تتلو له، وتعني تأبيدا لآيات القرآن. وهناك في موضع آخر من القرآن يقول الحق سبحانه:
مما خطيئاتهم أغرقوا..
[نوح: 25]. أي: أغرقوا لأجل خطيئاتهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نفهم ما تكون في شأن وما تتلو لأجل هذا الشأن من قرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم في شأن هام هو الرسالة، ويتلو من القرآن تأبيدا لهذا الشأن وهو البلاغ بالمنهج. ويدخل في هذا الشأن ما فوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حسب قول الحق سبحانه:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. ومثال ذلك: تحديد كيفية الصلاة وعدد ركعات كل صلاة، وكذلك نصاب الزكاة، وهذه أمور لم يأت بها القرآن تفصيلا، ولكن جاءت بها الأحاديث النبوية. إذن: فهناك تفويض من الحق للرسول صلى الله عليه وسلم ليكتمل البلاغ بمنهج الله، بنصوص القرآن، وبتفويض الله تعالى له أن يشرع. إذن: فكل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلاغ عن الله بالنص القرآني، وإما تطبيق فعلي للنص القرآني بالحديث النبوي، وبالأسوة التي تركها لنا صلى الله عليه وسلم في سنته.
والحجة على الحكم - أي حكم - يأتي بها القرآن، فإن كانت الأحكام غير صادرة من الله مباشرة، فيكفي فيها أنها صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفويض من الله تعالى ليشرع. وبذلك نرد على المنافقين الذين إذا حدثوا بشيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: " بيننا وبينكم كتاب الله " وهدفهم أن يردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فعلا، أو قولا أو إقرارا. ثم ينقل الحق سبحانه الخطاب من المفرد إلى الجماعة فيقول جل شأنه: ﴿ ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا.. ﴾ [يونس: 61]. وفي هذا انتقال للسامعين للقرآن، المبلغ إليهم هذا المنهج، فكل عمل إنما يشهده الحق سبحانه. والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان، فكل حدث يصدر من الإنسان - ولو بنية القلب - يسمى عملا لأن عمل القلوب هو النية. ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولا، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلا. وهكذا ينقسم العمل إلى قسمين: قول، وفعل. وقد اختص حدث اللسان باسم القول لأن أصل مستندات التكليف كلها قولية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم. والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق، وتلك اللهفة، وحسن الاستقبال، وإخلاص الأداء، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه: ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل. أي: أن تقبلوا على أعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب. وقد قال الحق سبحانه: