تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا نجد أن الذي يأمر هو الأب وليس الله، والذي يعاقب هو الأب، وليس الله، وما إن يصل الابن إلى مرحلة البلوغ يبدأ تكليفه من الله. أما إذا جاء من يكرهه على أن يرتكب معصية بقوة تفوق قوته كأن يمسك مسدسا ويقول له: إن لم تشرب الخمر أطلقت عليك النار، فهنا يرفع عنه التكليف. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف:

" إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ".

فالعقل - إذن - هو مناط التكليف، وعمله أن يختار بين البدائل في كل شيء، ففي الطعام مثلا نجد من يهوى وضع الشطة فوق الطعام لأنها تفتح شهيته للطعام، وبعد أن يأكل نجده صارخا من الحموضة، ويطلب المهضمات، وقد لا تفلح معه، بل وقد تفسد له الغشاء المخاطي الموجود على جدار المعدة لحمايتها، فرب أكلة منعت أكلات ولذلك نجد عقله يقول له: احذر من هذا اللون من المشهيات لأنه ضار بك. وهكذا نجد العقل هو الذي يوضح للإنسان نتائج كل فعل، وهو الذي يدفع إلى التأني والإجادة في العمل ليكون ناتج العمل مفيدا لك ولغيرك باستمرار، ولم يأت العقل للإنسان ليستمرىء به الخطأ والخطايا. وهكذا نجد أن العقل يدرك ويختار السلوك الملائم لكل موقف، بل إن العقل يدعو الإنسان إلى الإيمان حتى في مرحلة ما قبل التكليف، فحين يتأمل الإنسان بعقله هذا الكون لا بد أن يقوده التأمل إلى الاعتراف بجميل صنيع الخالق سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٤٤