تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.5

وبعد أن بين الحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان جاء لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى سببا لقوام الحياة فالشمس هي التي تنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه - كما قلنا من قبل - لينزل الماء بعد ذلك عذبا فراتا، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه الأنعام ونروي به الزرع. والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا ﴾ ولو نظرت إلى المعنى السطحي في الشمس والقمر لقلت: إن الشمس تعطي نورا وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفرق بين الاثنين فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نورا. والفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنور إنارة حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها. إذن: فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيا من المضيء مثل الشمس. أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضا من الضوء فهي تعكسه. إذن: القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا: ﴿ جعل الشمس ضيآء والقمر نورا ﴾. وكلمة ﴿ ضيآء ﴾ إما أن تعتبرها مفردا مثل صام صياما، وقام قياما، وضاء ضياء. وإما أن تعتبرها جمعا، مثلها مثل حوض جمعه: حياض، ومثل روض جمعه رياض، وكذلك جمع ضوء هو ضياء. إذن كلمة ﴿ ضيآء ﴾ تصلح أن تكون جمعا وتصلح أن تكون مفردا، وحين يجيء اللفظ صالحا للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله، كنا نقول: إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس، وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر، وغيرها. إذن: ف " ضياء " تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت: ضياء جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت: ضياء مثل قيام، ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام. ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لنزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال القرآن هذه الحقائق، لقال واحد: إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت الغروب هي حمرة في الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلى حين الغروب حيث تكون الشمس في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع في الكون ولا تصل إلينا.

إذن: كلمة ﴿ ضيآء ﴾ ، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة. هذه صالحة للمعنى العام، وتلك صالحة للمعنى التحليلي ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:

تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا

[الفرقان: 61]. والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب للشمس. وهنا يقول الحق: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل ﴾ ، وكلمة ﴿ وقدره ﴾ تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل أيضا، وقال الحق: ﴿ وقدره ﴾ لأن هناك شيئا اسمه " الجعل " ، فهو سبحانه جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورا. إذن: فالجعل جاء بأمرين اثنين جعل للشمس ضياء وجعل للقمر نورا، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، فهو صالح للاثنين للشمس وللقمر لنعلم عدد السنين والحساب. وفي العبادات نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد أشهر الحج، وكذلك تحتاج المرأة مثلا إلى حساب شهور العدة، وكل هذه التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيرا ويكبر ثم يصغر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٨٩