10.4
وحين يقول سبحانه: ﴿ إليه مرجعكم جميعا ﴾ فهذا إعلام لكل الخلق أن كل الأمور معلومة له سبحانه، فقد أنزل التكليف الذي قد يطاع وقد يعصى. فمن أطاع يفرح بقوله سبحانه: ﴿ إليه مرجعكم جميعا ﴾ ، ومن عصى يحزن لأنه سيلقى عقاب العصاة حين يرجع إلى الله. ونجد القرآن يقول مرة: " يرجعون " ومرة يقول: " يرجعون " ، فمن عمل صالحا فهو يفرح بالرجوع إلى الله، ومن عصى وكفر فهو يحزن ويخاف ويتردد ويحاول ألا يرجع، لكنه يرجع رغم أنفه، والحق سبحانه يقول:
يوم يدعون إلى نار جهنم دعا
[الطور: 13]. وقوله سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ إليه مرجعكم جميعا... ﴾ [يونس: 4]. وسمي هذا المرجع في نفس الآية: ﴿ وعد الله حقا... ﴾ [يونس: 4]. ولقائل أن يقول: ولكن الوعد يطلق على الأمر الذي سيأتي بخير، فإن كان المرجع للطائع فهذا هو الخير، ولكن العاصي لن يرى في الرجوع خيرا، فلماذا لم يقل الله: إن المرجع للعاصي وعيد؟ وأقول: إن الحق سبحانه إنما ينبه الإنسان لما ينتظره في المستقبل، ويعظه، وترك له الاختيار، وهذا تقديم للخير، وهكذا تصبح المسألة كلها وعدا. والصيغة التي يتقدم فيها المجرور رغم أن من حقه التأخير، فهي تعني تفرد المرجع، فكلنا نرجع إليه سبحانه، مثل قوله سبحانه:
إياك نعبد...
[الفاتحة: 5] إذن: فالطائع يفرح بجزاء الله له، وعلى العاصي أن يراجع نفسه قبل أن يرجع إلى الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت تنبه التلاميذ إلى أن يذاكروا طوال العام، فالذي يذاكر فعلا، يفرح بالامتحان لأنه سوف ينجح فيه، والذي لا يذاكر قد يراجع نفسه ويقبل على المذاكرة خوفا من الرسوب، والتذكير لون من ألوان الإنذار ليتهيب الموقف ويرتدع، وهكذا يصير التذكير وعدا لا وعيدا. ويضيف الحق سبحانه لوصف وعده بأنه حق، فيقول: ﴿ وعد الله حقا ﴾ ولقائل أن يقول: أليس كل وعد من الله حقا؟ ونقول: نعم. كل وعد من الله هو حق، وشاء الحق سبحانه هنا أن يصف وعده بأنه حق ليذكرنا بأن الحق هو الشيء الثابت فإن خيل إليك في بعض الأوقات أن الباطل هو السائد والسيد، فلتعلم أن الباطل لا ثبات له ولا سيادة. وسبحانه يقول:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
[الرعد: 17]. فحين ينزل المطر نجد كل واد يأخذ من الماء على قدر حاجته، وساعة ينزل المطر ويتجمع، نجد القش يطفو ومعه الحشائش والأشياء التي لا فائدة منها لأن الماء في لحظة النزول إنما ينظف المكان الذي ينزل عليه لذلك تطفو الأشياء الخفيفة وغير المفيدة.
كذلك الباطل إنما يطفو على السطح لكنه لا يفيد ولا يزعزع الحق الذي يستقر وينفع الأرض والناس، وطفو الباطل إنما هو تنبيه لجنود الحق، والباطل مثله مثل الألم الذي ينبه للمرض، وأخطر الأمراض هو الذي لا ألم فيه، فيستفحل إلى الدرجة التي يصبح علاجه صعبا ومستحيلا. إذن: فالألم كالباطل ينبه جنود الحق ولذلك أنت تلحظ أنه إذا ما أهيج الإسلام من أي عدو، تجد الحماسة وقد دبت في الناس جميعا، حركة وتعاونا، ونسيانا للأحقاد للدفاع عن الإسلام. وفي الأمراض التي تنتقل ببعض الفيروسات، نجد الأطباء وهم يطعمون الناس من نفس ميكروبات أو فيروسات المرض بجرعات ضعيفة لتستثير مقاومة الجسم، إذن: فالباطل جندي من جنود الحق، كما أن الألم جندي من جنود العافية. وإذا كان الحق هو القائل: ﴿ إليه مرجعكم جميعا ﴾ فلا بد أنه الوعد الحق لأنه سبحانه يملك ما يعد به، وسبحانه منزه عن الكذب وعن الخديعة لأنه القائل: