.. رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا
[نوح: 26-27]. واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى عليه السلام: ﴿ قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما... ﴾.
10.89
ويلاحظ أن الذي دعا هو موسى عليه السلام، ولكن قوله سبحانه: ﴿ قد أجيبت دعوتكما.. ﴾ [يونس: 89] يدل على أن هارون - عليه السلام - قد دعا مع موسى. وقد قلنا من قبل: إننا إن نظرنا إلى الأصالة في الرسالة لوجدنا موسى - عليه السلام - هو الأصيل فيها، وجاء هارون ليشد عضده، وإن نظرنا إلى طبيعة الاثنين فكل منهما رسول، والاثنان لهما رسالة واحدة. وما دام الحق سبحانه قد أرسل الاثنين لمهمة واحدة، فإن انفعل واحد منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء لذلك فلا يوجد ما يمنع أن هارون ساعة سمع أخاه داعيا بمثل هذا الدعاء، قد دعا هو أيضا بالدعاء نفسه، أو أنه - أي: هارون - قد دعا بهذا الدعاء سرا. والدعاء معناه: أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه، فأنت لا تدعو إلا في أمر عزت عليك أسبابه فتقول: إن لي ربا أومن به، وهو يقدر على الأسباب لأنه خالق الأسباب، وقادر على أن يعطي بلا أسباب، والمؤمن الحق يستقبل الأحداث، لا بأسبابه، ولكن بقدرة من آمن به، وهو المسبب الأعلى سبحانه. ولذلك تجد موسى عليه السلام ومعه قومه حين وصلوا إلى شاطىء البحر، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم، فقال قوم موسى:
.. إنا لمدركون
[الشعراء: 61]. فرد موسى عليه السلام:
كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62]. أي: لا ترتبوا الأمر بترتيب البشر لأن معي رب البشر، فجاءه الإنقاذ:
فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63]. إذن: فالدعاء إنما يكون فزعا إلى من يقدر على أمر لا تقدر عليه. والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون عليهما السلام هو بقاء آل فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس الدعاء، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه " التخاطر " ، أي: التقاء الخواطر في لحظة واحدة. ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي، لحظة أن كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغولا بالتفكير في جيش المسلمين المقاتل في إحدى المعارك، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر، فإذا به يقول فجأة: " يا سارية الجبل " وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة، ولكن كان فكره مشغولا بالقائد الذي يحارب، وسمع القائد - وهو على البعد - الأمر فانحاز إلى الجبل. ويقال في هذه المسألة: إن الخاطر قد شغل مع الخاطر، مثلما تطلب أحدا في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام معه قائلا: لقد كنت على وشك أن أتصل بك هاتفيا، وهذا يعني أن الخاطرين قد انضبطا معا.
وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية، فما بالنا بما يحدث في الأمور الصفائية وفي أرقى درجاتها وهي النبوة؟ أو أن الذي دعا هو موسى وما كان هارون إلا مؤمنا، والمؤمن هو أحد الداعيين، وما دام الحق سبحانه قد قبل دعوة موسى عليه السلام، فقد قبل أيضا دعوة المؤمن معه. ويظن بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء، ولكن الحقيقة أن إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب، أما ميعاد إنجاز الطلب، فقد يتأجل بعض الوقت، مثلما حدث مع دعوة موسى عليه السلام على فرعون وملئه، فحين دعا موسى، وأمن هارون، جاءت إجابة الدعاء: ﴿ قد أجيبت دعوتكما.. ﴾ [يونس: 89] بعد أربعين عاما، ويحقق الله سبحانه الطمس على المال. فالسماء ليست موظفة عند من يدعو، وتقبل أي دعاء، ولكن قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه. وهذه أمور من مشيئة الله سبحانه فالحق سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون منفذا لدعاء ما، ولكنه هو الذي بيده مقاليد كل أمر، فإذا ما أجيبت دعوة ما، فهو سبحانه بمشيئته يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: