10.106
والمشرك من هؤلاء لحظة أن عبد الصنم ودعاه من دون الله تعالى، فهل استجاب له؟ وحين عبده هل قال الصنم له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؟ إن الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة لم يكن لها منهج، ولا أحد منها ينفع أو يضر، وحين يجي النفع لا يعرف الصنم كيف يمنعه، وحين يجيء الضر لا يقدر الصنم أن يدفعه. إذن: فمن يدعو من دون الله - سبحانه وتعالى - هو دعاء لمن لا ينفع ولا يضر. ومن يفعل ذلك يكون من الظالمين لأن الظلم هو إعطاء حق لغير ذي حق، سواء أكان في القمة، أو في غير القمة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له... ﴾.
10.107
هذا كلام الربوبية المستغنية عن الخلق، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس، ودعاهم إلى الإيمان به، وأن يحبوه لأنه يحبهم، ويعطيهم، ولا يأخذ منهم لأنه في غنى عن كل خلقه. ويأتي الكلام عن الضر هنا بالمس، ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو.. ﴾ [يونس: 107]. ونحن نعلم أن هناك " مسا " و " لمسا " و " إصابة ". وقوله سبحانه هنا عن الضر يشير إلى مجرد المس، أي: الضر البسيط، ولا تقل: إن الضر ما دام صغيرا فالخلق يقدرون عليه، فلا أحد يقدر على الضر أو النفع، قل الضر أم كبر، وكثر النفع أو قل، إلا بإذن من الله تعالى. والحق سبحانه وتعالى يذكر الضر هنا بالمس، أي: أهون الالتصاقات، ولا يكشفه إلا الله سبحانه وتعالى. ومن عظمته - جل وعلا - أنه ذكر مع المس بالضر، الكشف عنه، وهذه هي الرحمة. ثم يأتي سبحانه بالمقابل، وهو " الخير " ، وحين يتحدث عنه الحق سبحانه، يؤكد أنه لا يرده. ونحن نجد كلمة ﴿ يصيب ﴾ في وصف مجيء الخير للإنسان، فالحق سبحانه يصيب به من يشاء من عباده. وينهي الحق سبحانه وتعالى الآية بهذه النهاية الجميلة في قوله تعالى: ﴿.. وهو الغفور الرحيم ﴾ [يونس: 107]. وهكذا تتضح لنا صورة جلال الخير المتجلي على العباد، ففي الشر جاء به مسا، ويكشفه، وفي الخير يصيب به العباد، ولا يمنعه. والله تعالى هو الغفور الرحيم لأنه سبحانه لو عامل الناس - حتى المؤمنين منهم - بما يفعلون لعاقبهم، ولكنه سبحانه غفور ورحيم لأن رحمته سبقت غضبه ولذلك نجده سبحانه في آيات النعمة يقول:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ..
[النحل: 18]. وجاء الحق سبحانه بالشك، فقال ﴿ إن ﴾ ولم يقل: " إذا تعدون نعمة الله " لأن هذا أمر لن يحدث، كما أن الإقبال على العد هو مظنة أنه يمكن أن يحصي فقد تعد النقود، وقد يعد الناظر طلاب المدرسة، لكن أحدا لا يستطيع أن يعد أو يحصى حبات الرمال مثلا. وقال الحق سبحانه وتعالى:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ..
[النحل: 18]. وهذا شك في أن تعدوا نعمة الله. ومن العجيب أن العد يقتضي التجمع، والجمع لأشياء كثيرة، ولكنه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي ﴿ نعمة ﴾ ولم يقل: " نعم " فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نعم شتى. إذن: فلن نستطيع أن نعد النعم المطمورة في نعمة واحدة. وجاء الحق سبحانه بذكر عد النعم في آيتين: الآية الأولى تقول:
.. وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34].
والآية الثانية تقول:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم
[النحل: 18]. وصدر الآيتين واحد، ولكن عجز كل منهما مختلف، ففي الآية الأولى:
.. إن الإنسان لظلوم كفار
[إبراهيم: 34]. وفي الآية الثانية:
.. إن الله لغفور رحيم
[النحل: 18]. لأن النعمة لها منعم ومنعم عليه، والمنعم عليه - بذنوبه - لا يستحق النعمة لأنه ظلوم وكفار، ولكن المنعم سبحانه وتعالى غفور ورحيم، ففي آية جاء ملحظ المنعم، وفي آية أخرى جاء ملحظ المنعم عليه. ومن ناحية المنعم عليه نجده ظلوما كفارا لأنه يأخذ النعمة، ولا يشكر الله عليها. ألم تقل السماء: يارب! ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الأرض: ائذن لي أن أنخسف بابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الجبال: ائذن لي أن أسقط على ابن آدم. وقال البحر: ائذن لي أن أغرق ابن آدم الذي طعم خيرك، ومنع شكرك. هذا هو الكون الغيور على الله تعالى يريد أن يعاقب الإنسان، لكن الله سبحانه رب الجميع يقول: