تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.16

وهنا يبلغ محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله: لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر، أو قوة أدب. فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين، ورأيتم أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، بل عندما اتهمتموه وقلتم:

إنما يعلمه بشر..

[النحل: 103]. وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى:

لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين

[النحل: 103]. ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من شبه الجزيرة العربية، ولم يقرأ مؤلفات أحد. فمن أين جاء القرآن إذن؟ لقد جاء من الله سبحانه، وعليكم أن تعقلوا ذلك، ولا داعي للاتهام بأن القرآن من عند محمد لأنكم لم تجربوه خطيبا أو شاعرا، بل كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن نزلت عليه الرسالة، هو بلاغ من عند الله. وبطبيعة الحال لا يمكن أن ينسب الكمال إلى إنسان فينفيه، فالعادة أن يسرق شاعر مثلا قصيدة من شاعر آخر، أو أن ينتحل كاتب مقالة من آخر. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغكم أن كمال القرآن ليس من عنده، بل هو مجرد مبلغ له، وكان يجب أن يتعقلوا تلك القضية بمقدماتها ونتائجها فلا يلقوا لأفكارهم العنان ليكذبوا ويعاندوا، فالأمر بسيط جدا. يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ﴾ [يونس: 16]. إذن: فالمقدمة التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله رسولا من أنفسهم، فإن قلت:

إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم..

[آل عمران: 164]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس، لا من جنس الملائكة، أو ﴿ من أنفسهم ﴾ أي: من أمة العرب، لا من أمة العجم، أو ﴿ من أنفسهم ﴾ أي: من قبيلتهم التي يكذب أصحابها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة معلومة لكم، لم يغب عنكم فترة لتقولوا بعث بعثة ليتعلم علما من مكان آخر، ولم يجلس إلى معلم عندكم ولا إلى معلم خارجكم، ولم يتل كتابا، فإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدمة وتقولوا: فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة؟ أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات، ولكن مخايل العبقرية إنما تنشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث، فمن الذي آخر العبقرية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم، وأنتم أمة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون عليها من قديم، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ كان يجب أن تقولوا: لم نعرف عنه أنه يعلم شيئا من هذا، فإذا حل لكم اللغز وأوضح لكم: أن القرآن ليس من عندي كان يجب أن تصدقوه لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه.

والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم: القرآن بلاغ عن الله، تكذبونه، وتقولون: لا، بل هو من عندك، فإذا فتر عنه الوحي مرة قلتم: قلاه ربه. لماذا اقتنعتم بأن له ربا يصله بالوحي ويهجره بلا وحي؟ أنتم إذن أنكرتم حالة الوصل بالوحي، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم لتحكموا على هذه الأشياء، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته، يقول سبحانه:

وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم

[آل عمران: 44]. ويقول سبحانه:

وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر..

[القصص: 44]. ويقول سبحانه:

وما كنت ثاويا في أهل مدين..

[القصص: 45]. ويقول سبحانه:

وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٠٩