تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[يونس: 16]. إذن:

بسورة من مثله..

[البقرة: 23]. أي: مثل محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتعلم وكان أميا، ولكن لماذا يأتي هذا اللون من التحدي؟ لأنهم قالوا عن القرآن:

أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا

[الفرقان: 5]. بل واتهموه في قمة غفلتهم أنه يتعلم من رجل كان بمكة، فيلفتهم القرآن إلى أن الرجل - الذي قالوا إنه معلم للرسول صلى الله عليه وسلم - كان أعجميا غير عربي، يقول الحق سبحانه:

لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين..

[النحل: 103]. ويريد الحق سبحانه أن يصنفهم، فيقول بعد ذلك: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه... ﴾.

10.39

وهذا الصنف من الناس الذين ﴿ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه.. ﴾ [يونس: 39]، وهم من أخذتهم المفاجأة حين حدثوا بشيء لا يعرفونه، والناس أعداء ما جهلوا فكذبوا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن قبل أن يتبينوا جمال الأداء فيه، ونسق القيم العالية، وإذا ما سنحت لهم فرصة يتبينون فيها جمال الأداء، ودقة الإعجاز فهم يتجهون إلى الإيمان. ومثال ذلك: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد كان كافرا ثم علم أن أخته وزوجها قد أسلما فذهب إليها في منزلها وضربها، فأسال دمها، وسيل الدم من أخت بضربة أخيها مثير لعاطفة الحنان، وهذا ما حدث مع عمر فهدأت موجة عناده، فاستقبل القرآن بروح لا عناد فيها فذهب فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من قبل ذلك ممن: ﴿ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.. ﴾ [يونس: 39] أي: لم يعرفوا مراميه، وبمجرد أن سمعوا عن رسالته صلى الله عليه وسلم فجأة، اتهموه بالكذب والعياذ بالله. ولذلك اقرأ قول الحق سبحانه:

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..

[محمد: 16]. وهذا يدل على أنهم لم يفهموا ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وتأتي الإجابة من الحق سبحانه وتعالى:

قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..

[فصلت: 44]. إذن: فالقرآن هدى لمن تتفتح قلوبهم للإيمان، أما القلوب المليئة بالبغض لقائله وللإسلام فهؤلاء لا يمكن أن يصح حكمهم. وإن أراد أي منهم حكما صحيحا فليخرج من قلبه ما يناقض ما يسمع، ثم عليه أن يستقبل الأمرين ولسوف يدخل قلبه الأقوى حجة، وهو الإسلام. إذن: فمن امتلأ قلبه بعقيدة كاذبة لا يمكن له أن يهتدي. ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.. ﴾ [يونس: 39]. والتأويل هو ما يرجع الشيء إليه، وهذا يوضح لنا أن هناك أقضية من القرآن لم يأت تفسيرها بعد، ستفسرها الأحداث، وقد يقول القرآن الكريم قضية غيبية، ثم يأتي الزمن ليؤكد هذه القضية، هنا نعرف أن تأويلها قد جاء. وهؤلاء القوم قد كذبوا من قبل أن يأتي لهم التأويل، وكان عدم مجيء التأويل هو السبب في تأخر بيان الحق في المسألة لتأخر زمنه. وعلى سبيل المثال، ها هو ذا عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قامت المعركة بين معاوية بن أبي سفيان والإمام علي - رضي الله عنه - وقاتل عمار في صف علي، وقتل.

هنا تنبه الصحابة إلى تأويل حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:

" ويح عمار.. تقتله الفئة الباغية ".

وهكذا جاء تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تحقق في الواقع، وكان هذا سببا في انصراف بعض الصحابة عن جيش معاوية. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ولما يأتهم تأويله.. ﴾ [يونس: 39]. أي: أن التأويل لم يظهر لهم بعد. ومن أدوات النفي: " لم " مثل قولنا: " لم يجيء فلان " ، ونقول أيضا: " لما يجيء فلان " ، والنفي في الأولى جزم غير متصل بالحاضر، كأنه لم يأت بالأمس. أما النفي ب " لما " فيعني أن المجيء منتف إلى ساعة الكلام، أي: الحاضر، وقد يأتي من بعد ذلك لأن " لما " تفيد النفي، وتفيد توقع الإثبات. والحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٥٢