تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.58

وأنت وكل المؤمنين مهما عملوا في تطبيق منهج الله، فكلنا بعبادتنا لن نؤدي حق النعم الموجودة عندنا قبل أن نكلف، وعلينا أن نتدبر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".

إذن: فإن افتخر إنسان بطاعته لله، فهذه الطاعة تعود على العبد في دنياه، وهو لن يؤدي بطاعته حق كل النعم التي أسبغها الله عليه. ومثال ذلك: إن العبد لا يكلف إلا عند البلوغ، أي: في سن الخامسة عشر تقريبا، فإن نظر إلى النعم التي أسبغها الله تعالى عليه حتى وصل إلى هذه السن، فهو لن يحصيها، فما بالنا بالنعم التي تغمرنا في كل العمر، وحين يجازينا الحق في الآخرة، فهو لا يجازينا بالعدل، بل يعاملنا بالفضل. إذن: إياك أن تقول: أنا تصدقت بكذا، أو صليت كذا حتى لا تورثك استجابتك لمنهج الله غرورا بعملك التعبدي، وتذكر القول المأثور: " رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم... ﴾.

10.59

إن تمتع الإنسان في الحياة بالملك والملك، فكل ذلك يحتاج إلى استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبنا الحق سبحانه إياه، وكذلك استبقاء النوع بالتزواج بين الذكر والأنثى. ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا بد أن يكون حلالا لذلك حدد لنا الحق سبحانه وتعالى المحرمات فلا تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدده الله، فلا تدخل أنت على ما حلل الله لتحرمه لأن الحق سبحانه حدد لك من الطعام ما يستبقي حياتك ويعطيك وقودا لحركة الحياة، فعامل نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي يمدك بها ما حلله الله لك. وكذلك حرم الله عليك ما يضرك. وإياك أن تقول: ما دامت هذه الأشياء تضرني فلماذا خلقها الله لأن عليك أن تعرف أن هناك فارقا بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل ما في الكون هو رزق، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فورا، وهناك رزق غير مباشر. ومثال ذلك: النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تنضج لك الطعام. إذن: فهناك شيء مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك. والحق سبحانه قد حلل لك - على سبيل المثال - لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرم عليك لحم الخنزير، فلا تسأل: لماذا خلق الله الخنزير لأنه خلقه لمهمة أخرى، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، فاتركه للمهمة التي أراده الله لها. وبعض الناس قد حرم على نفسه أشياء حللها الله تعالى، وهم بذلك يضيقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلل ما حرم الله أنه يوسع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿ أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق.. ﴾ [يونس: 59]. أي: أخبروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون به، إما مباشرة، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بين لكم الحلال والحرام؟! وكلمة ﴿ أنزل ﴾ تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى، وكل ما ترونه حولكم هو رزق، تنتفعون به مباشرة، أو بشكل غير مباشر، فالمال الذي تشترى به أغلب الأرزاق لا يأكله الإنسان، بل يشتري به ما يأكله. وكلمة ﴿ أنزل ﴾ تعني: أوجد، وخلق من أعلى، وما دام كل شيء قد وجد بمشيئة من هو أعلى من كل الوجود، فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط. ولا تأخذ كلمة ﴿ أنزل ﴾ من جهة العلو الحسية، بل خذها من جهة العلو المعنوية، فالمطر - مثلا - ينزل من أعلى حسيا، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها، والرزق بالمطر ومن الأرض مقدر ممن خلق، وهو الأعلى سبحانه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٧٥