تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.18

وكلمة ﴿ ويعبدون ﴾ تقتضي وجود عابد ووجود معبود ووجود معنى للعبادة. والعابد أدنى حالا من المعبود، ومظهر العبادة والعبودية كله طاعة للأمر والانصراف عن المنهي عنه. هذا هو أصل العبادة، ووسيلة القرب من الله. وحتى تكون العبادة في محلها الصحيح لا بد أن يقر العابد أن المعبود أعلى مرتبة في الحكم على الأشياء، أما إن كان الأمر بين متساويين فيسمونه التماسا. إذن: فهناك آمر ومأمور، فإن تساويا فالمأمور يحتاج إلى إقناع، وأما إن كان في المسألة حكم سابق بأن الآمر أعلى من المأمور كالأستاذ بالنسبة للتلميذ، أو الطبيب بالنسبة للمريض، ففي هذا الوضع يطيع المأمور الآمر لأنه يفهم الموضوع الذي يأمر فيه. وكذلك المؤمن لأن معنى الإيمان أنه آمن بوجود إله قادر له كل صفات الكمال المطلق فإذا اعتقدت هذا فالإنسان ينفذ ما يأمر به الله ليأخذ الرضاء والحب والثواب. وإن لم ينفذ فسوف ينال غضب المعبود وعقابه. إذن: فأنت إن فعلت أمره واجتنبت نهيه نلت الثواب منه، وإن خالفت تأخذ عقابا لذلك لا بد أن يكون أعلى منك قدرة، ويكون قادرا على إنفاذ الثواب والعقاب، والقادر هو الله جل علاه. أما الأصنام التي كانوا يعبدونها، فبأي شيء أمرتهم؟ إنها لم تأمر بشيء لذلك لا يصلح أن تكون لها عبادة لأن معنى العبادة يتطلب أمرا ونهيا، ولم تأمر الأصنام بشيء ولم تنه عن شيء، بل كان المشركون هم الذين يقترحون الأوامر والنواهي، وهو أمر لا يليق لأن المعبود هو الذي عليه أن يحدد أوجه الأوامر والنواهي. إذن: فمن الحمق أن يعبد أحد الأصنم لأنها لا تضر من خالفها، ولا تنفع من عبدها، فليس لها أمر ولا نهي. ومن أوقفوا أنفسهم هذا الموقف نسوا أن في قدرة كل منهم أن ينفع الصنم وأن يضره، فالواحد منهم يستطيع أن يصنع الصنم، وأن يصلحه إذا انكسر، أو يستطيع أن يكسره بأن يلقيه على الأرض. وفي هذه الحالة يكون العابد أقدر من المعبود على الضر وعلى النفع، وهذا عين التخلف العقلي. إذن: فمثل هذه العبادة لون من الحمق، ولو عرضت هذه المسألة على العقل فسوف يرفضها العقل السليم. وعندما تجادلهم، وتثبت لهم أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع، تجد من يكابر قائلا: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ وهم بهذا القول يعترفون أن الله هو الذي ينفع ويضر، ولكن أما كان يجب أن يتخذوا شفيعا لهم عند الله، وأن يكون الشفيع متمتعا بمكانة ومحبة عند من يشفع عنده؟ ثم ماذا يقولون في أن من تقدم له شفاعة هو الذي ينهى عن اتخاذ الأصنام آلهة وينهى عن عبادتها؟ وهل هناك شفاعة دون إذن من المشفوع عنده؟ من أجل ذلك جاء الأمر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض.

. } [يونس: 18]. إذن: فمن أين جئتم بهذه القضية قضية شفاعة الأصنام لكم عند الله؟ إنها قضية لا وجود لها، وسبحانه لم يبلغكم أن هناك أصناما تشفع، وليس هذا واردا، فقولكم هذا فيه كذب متعمد وافتراء. فهو سبحانه الذي خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم كل ما في الكون، وقضية شفاعة الأصنام عنده ليست في علمه، ولا وجود لها، بل هي قضية مفتراة، مدعاة. وقوله الحق هنا: ﴿ أتنبئون الله ﴾ مثلها مثل قوله الحق:

قل أتعلمون الله بدينكم..

[الحجرات: 16]. ويعني هذا القول بالرد على من قالوا ويقولون: إن المطلوب هو تشريعات تناسب العصر، وكلما فسد العصر طالبوا بتشريعات جديدة، وما داموا هم الذين يشرعون، فكأنهم يرغبون في تعليم خالقهم كيف يكون الدين، وفي هذا اجتراء وجهل بقدرة وحكمة من خلق الكون، فأحكمه بنظام. وقوله الحق: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ فيه تنزيه له سبحانه، فهو الخالق لكل شيء، خالق الملك والملكوت ويعلم كل شيء، وقضية شفاعة الأصنام إنما هي قضية مفتراة لا وجود لها لذلك فهي ليست في علم الله، والحق سبحانه منزه أن توجد في ملكه قضية لها مدلول يقيني ولا يعلمها، ومنزه جل وعلا عن أن يشرك به لأن الشريك إنما يكون ليساعد من يشركه، ونحن نرى على سبيل المثال صاحب مال يديره في تجارة ما، ولكن ماله لا ينهض بكل مسئوليات التجارة، فيبحث عن شريك له. وسبحانه وتعالى قوي وقادر، ولا يحتاج إلى أحد في ملكية الكون وإدارته، ثم ماذا يفعل هؤلاء الشركاء المدعون كذبا على الله؟ إن الحق سبحانه يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤١٢