تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105]. إذن: فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة على عظمة قدرة الله سبحانه فهم غير حريصين على أن يقوا أنفسهم عذاب الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ إن الذين لا يرجون لقآءنا... ﴾.

10.7

والرجاء هو طلب شيء محبوب متوقع، والتمني طلب شيء محبوب إلا أنه غير ممكن الحدوث، ولكنك تعلن بتمنيك أنه أمر تحبه، مثل من قال:

ألا ليت الشباب يعود يوما

فأخبره بما فعل المشيب

هو بهذا القول يبين أن الشباب أمر محبوب ومرغوب. لكن هل يتأتى هذا؟ طبعا لا. إذن: التمني هو طلب شيء محبوب لا يمكن أن يقع ومثل قول الشاعر:

ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها

عقود مدح فما أرضى لكم كلمي

وهذا غير ممكن. أما الرجاء فهو أن تطلب شيئا محبوبا من الممكن أن يقع. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين لا يرجون لقآءنا ﴾ ، فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا اللقاء ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ذلك. وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير مما يتركه من الحياة. إذن: فالذي يرجو لقاء الله هو الذي يعد نفسه لهذا اللقاء بأن يتقي الله في أوامره، ويتقي الله في نواهيه ولذلك تمر على الإنسان أحداث شتى وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين: حسنات وسيئات، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل، وأية سيئات قد اقترف، ولا يغش أحد نفسه، فإذا ما كان حيا فقد يجعله الأمل يكذب نفسه، ولا يرى إلا ما فات من المغريات. أما إذا جاءته لحظة الغرغرة في الموت، فهو يستعرض كل صفحته. فإن كانت حسنة استبشر وجهه، وإن كانت سيئة اكفهر وجهه، ولذلك يقال: " فلان كانت خاتمته سيئة، وفلان كانت خاتمته متهللة ". وهذا كلام صحيح لأن الروح ساعة أن تقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة فراقها، فإن كان ضاحكا ومستبشرا، فقد رأى بعضا مما ينتظره من خير. والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في العافية، فإذا أتى وقت انتهاء الحياة تعرض عليه أعماله عرضا سريعا، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره لأنه يستشرف ما سوف يلقاه من جزاء. وهذا مثل التلميذ حين يكون مجدا ومجتهدا ثم يقولون له: هناك من جاء لك بالنتيجة فيجري عليه مطمئنا. وإن كان غير مجد لم يجب، ويخاف من لقاء من يحمل النتيجة. كذلك الذين يرجون لقاء الله عملوا استعدادا لهذا اللقاء وينتظرون الجزاء من الله، أما من لم يعملوا فهم يخافون من لقاء الله ولا يرجونه وسبب ذلك أنهم لم يعملوا للآخرة ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ﴾ وكأنهم قد اكتفوا بها ولم يرغبوا في الآخرة.

وقد سمى الله هذه الدار اسما كان يجب بمجرد أن نسمعه ننصرف عنها، فقال: ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ ولا يوجد اسم أقل من ذلك، والمقابل للحياة الدنيا هي الحياة العليا. والإنسان قد يبحث في عمر الدنيا ويقول: إنها تستمر عشرة ملايين من السنين، أو مائة مليون سنة، وقد لا يلتفت إلى أن عمره هو موقوت في هذه الدنيا. إذن: فالدنيا بالنسبة لك هي مقدار عمرك فيها، لا مقدار عمرها الحقيقي إلى أن تقوم الساعة، وماذا تستفيد منها وهي تطول لغيرك؟ إن عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هو مقدار مكث الإنسان فيها، وهو مظنون وغير متيقن، وقد يموت وهو في بطن أمه أو يموت وهو ابن شهر، أو ابن سنة، أو بعد أن يبلغ المائة. فالذي يرضي بغير المتيقن قصير النظر. ولذلك انظر إلى القرآن وهو يقول:

أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٩٢