تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" شاهت الوجوه ".

وشاء سبحانه ذلك ليعلموا أنهم لن يستطيعوا الانتصار على محمد صلى الله عليه وسلم، لا بالمواجهة، ولا بتبييت المكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإذا مس الإنسان... ﴾.

10.12

يصور الحق سبحانه حال البشر الذين لم يرتبطوا دائما بالإله، وبمنهج الإله هؤلاء الذين يتجهون إلى الله في لحظات الأزمات، ثم ينسون الإيمان وتكاليفه من بعد ذلك. وحياتنا مليئة بهذا الصنف من البشر. وفي قريتنا - على سبيل المثال - كان الذي يشرف على رعاية صحة الناس حلاق الصحة، إلى أن تخرج أحد أبناء القرية في كلية الطب، فأخذ حلاق الصحة يشيع عنه ما لا يليق. وفي أحد الأيام لاحظ الفلاحون خروج حلاق الصحة مبكرا وهو يحمل لفافة كبيرة، فأرادوا أن يعرفوا ما بها، واكتشفوا أن ابن حلاق الصحة مريض وهو يريد أن يذهب به إلى الطبيب، هو - إذن - لا يخدع نفسه، رغم محاولته خداع أهل القرية بالشائعات الكاذبة عن الطبيب. وكذلك الإنسان مع منهج الله، قد يخدع الآخرين في لحظة اليسر، لكنه لا ينسى الله لحظة العسر. وساعة يأتيه الضر، وحين تعز الأسباب عليه فهو لا يجد إلا كلمة " يا رب ". وأنت تجدها من أعتى الفجار، ومن أقسى العتاة، تجد الواحد من هؤلاء وهو يدعو الله ساعة الضر. وهذا ما يقوله الحق سبحانه هنا: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ﴾. والمثل من حياة هؤلاء الكافرين الذين دعوا على أنفسهم، ولو كانوا يرغبون في إنهاء الحياة، فلماذا يدعون الله وهم قد كفروا به؟ إنه كذب مفضوح، والإنسان حين يضيق بنفسه قد يدعو على نفسه بالضر مثلما قال المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكن أمانيا

أي: يكفي أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي يتمنى فيها الموت. ونلحظ أن الحق سبحانه قد جاء بموقف الإنسان من الضر في أكثر من موضع، فنجد آية تفرد الإنسان بمعنى وآية ثانية تفرده بمعنى آخر، وآية ثالثة تصور وضع الإنسان بشكل آخر. يقول سبحانه:

وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل...

[الزمر: 8]. ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر دعانا ﴾. ويقول سبحانه في موضع آخر:

وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون * ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون

[النحل: 53-54]. إذن: فالحق سبحانه يأتي بها مفردة مرة، ومرة يأتي بها جمعا. ومرة يأتي بها مفردة على ألوان شتى، ومرة يأتي بها جمعا بألوان شتى، ومرة يذكرها في البر، ومرة يذكرها في البحر:

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه...

[الإسراء: 67]. إذن: فالآيات تستوعب حالات الإنسان المختلفة إذا ما أصابه ضر، ولم يجد مفزعا له لا من ذاته ولا من البيئة المحيطة به، فلا يجد من يلجأ إليه إلا ربه.

ومن الأسف أن هذا الإنسان يكون كافرا بالله. والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تعطينا صورا متعددة فالحق سبحانه يقول: ﴿ دعانا لجنبه ﴾ أي: وهو مضطجع، ﴿ أو قاعدا أو قآئما ﴾. وهكذا تتناول الآية الإنسان في تصرفاته في الكون. والآية متمشية مع أطوار تكوين الإنسان فالطفل الصغير لا يستطيع أن يتقلب، بل يقلبه أهله لينام على جنبه، يكبر قليلا فهو يتقلب بمفرده ثم تأتي حركة القوة الثانية فيقعد الطفل، ثم يقف دون أن يمشي، ثم يمشي من بعد ذلك. والآية هنا تعطينا التصوير الدقيق لثلاث حالات: ﴿ دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما ﴾ ، ولم تأت حركة المشي لأن المتحرك للمشي لا يقعده الضر، لكن من يمر بالمراحل الأخرى قائما أو قاعدا أو راقدا على الجنب، فقد يناله الضر. وتلك هي مراحل النقض لمظاهر الحياة، فالإنسان يعيش الطفولة، ثم فتوة الشباب، ثم يأتيه الضعف والشيب، فلا يستطيع أن يمشي بقوة الشاب، وإن كان يستطيع الوقوف، ثم تدخل عليه الشيخوخة فيقعد، ولا يستطيع أن يقف، ثم تتقدم به الشيخوخة فلا يمشي، ولا يقف، ولا يقعد، ويظل راقدا على جنبه، وقد يقلبه أهله. إذن: نقض كل شيء إنما يأتي على عكس بنائه فكما بنيت مراحل الإنسان هكذا جنبا، فقعودا فقياما، فسعيا وحركة، فهي تنتهي بالعكس لأن النقض دائما على عكس البناء. ومن هذا خرجنا بالاستدلال على صدق الله في إخباره لخلقه بكيفية الخلق لأننا لم نشاهد عملية الخلق، مصداقا لقوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٩٩