فساهم فكان من المدحضين
[الصافات: 141]. ونزل يونس عليه السلام إلى البحر فالتقمه الحوت وابتلعه. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن وجود سيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت:
فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
[الصافات: 143-144]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿ كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.. ﴾ [يونس: 98]. وعذاب الخزي في الحياة الدنيا يمكن أن تراه مجسدا فيمن افترى وتكبر على الناس، ثم يراه الناس في هوان ومذلة، هذا هو عذاب الخزي في الدنيا، ولا بد أن عذاب الآخرة أخزى وأشد. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿.. ومتعناهم إلى حين ﴾ [يونس: 98]. أي: أنهم نجوا من الهلاك بالعذاب إلى أن انتهت آجالهم بالموت الطبيعي. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ ولو شآء ربك لآمن... ﴾.
10.99
والحق سبحانه وتعالى يبين لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن ينزل الحق سبحانه العذاب بمن كفروا. وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه يحتاج إلى عبادة الناس لان الله عز وجل قديم أزلي بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق، وبكماله خلق الخلق، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته، وهو خالق من قبل أن يخلق الخلق، ورازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق، والخلق من آثار صفات الكمال فيه، وهو الذي أوجد كل شيء من عدم. ولذلك يسمون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها. فحين تقول: حي، ومحي، فليس معنى ذلك أن الله تعالى موصوف ب " محي " بعد أن وجد من يحييه، لا، إنه محي، وبهذه الصفة أحيا. ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه منزه عن كل تشبيه: قد نرى المصور أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة، هنا نرى أثر موهبة الرسم التي مارسها، واللوحة ليست إلا أثرا لهذه الموهبة. الحق سبحانه وتعالى - إذن - له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وبصفات الكمال خلق الخلق. فإياك أن تفهم أن هناك أمرا قد جد على الله تعالى، فلا شيء يجد على الحق سبحانه، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل هو الذي ينفعهم. ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان، وهو الجنس الظاهر لنا ونحن منه، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه الله - تبارك وتعالى - وهو الجن. وأما بقية الكون فمسبح مؤمن بالله تعالى، والكون عوالم لا حصر لها، ولكل نظام لا يحيد عنه. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يدخل الثقلين - الإنس والجن - في نظام التسخير ما عز عليه ذلك لكن هذا التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية. ولذلك ترك الحق سبحانه الإنسان مختارا ليؤمن أو لا يؤمن، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن جئته مؤمنا، وهذا يختلف عن إيمان القسر والقهر، فالإيمان المطلوب من الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار. وأما إيمان القسر والقهر، فكل ما في الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه، مسبح له. والحق سبحانه وتعالى يقول:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. وهذا ليس تسبيح دلالة ورمز، بل هو تسبيح حقيقي، بدليل قوله سبحانه وتعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. فإن فقهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات، بدليل أنه علم سليمان عليه السلام منطق الطير، وسمع النملة تقول:
.. يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة سبأ:
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون
[النمل: 24]. إذن: فكل ما في الكون مسبح لله تعالى، يسير على منهجه سبحانه ما عدا المختار من الثقلين: الإنسان والجان لأن كلا منهما فيه عقل، وله ميزة الاختيار بين البدائل. ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختيارا، ولو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لفعل. أقول ذلك حتى لا يقولن أحد: ولماذا كل هذه المسائل من خلق وإرسال رسل، وتكذيب أناس، ثم إهلاك المكذبين؟ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ [يونس: 99]. إذن: فالحق سبحانه خلق الإنسان وسخر له كل الأجناس، ولم يجبره على الإيمان، بل يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: