تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.3

ومن بعد ذلك يرد الحق على حكاية العجب من أن الله أوحى لرسوله، وكذلك مسألة اتهام الرسول بالسحر، فيلفتهم إلى قضية فوق هذه القضية، وأنهم كان عليهم أن يروا العجب في غير مسألة الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. أي: كان عليكم أن تروا هذه المسألة العجيبة، وهي خلق السماوات والأرض وتتأملوا صنعها، وكيف حدثت؟ وإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وجعلك أيها الإنسان تطرأ على عالم، وعلى كون معد لك إعدادا دقيقا، فكان يجب أن تلتفت إلى هذه المسألة قبل أي شيء آخر. وضربنا من قبل المثل، وقلنا: هب أن إنسانا ركب طائرة، ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء، وكتبت له النجاة وتلفت حوله فلم يجد ماء أو طعاما أو أي دليل من أدلة الحياة، ثم غلبه النوم، فلما استيقظ من نومه، وجد مائدة عليها من أطايب الطعام، وأطايب الشراب، أما كان يسأل نفسه قبل أن يأكل ويشرب: من الذي صنع وأحضر كل هذا الطعام، وكل هذا الشراب؟ وهذا الكون قد أعد لك أيها الإنسان، أما كان يصح أن تفكر فيمن أعد لك هذا الكون، وخلق لك كل ما ليس في متناول قدرتك، وسخر كل ذلك لك؟ وقد أبلغك الحق: أنا خلقت السماء، وخلقت الأرض، والشمس، والنجوم، وحين وصلك هذا البلاغ، فإما أن يكون صدقا، فلتنفذ ما أمر به الخالق. وإن لم يكن هذا الكلام صدقا، فمن الذي خلق إذن؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون، وسمع مثل هذا البلاغ، ولم يتحرك لبيان صدق المسألة، لما كان هذا الآخر يستحق أن يكون إلها. وما دام لم يظهر معارض له سبحانه، فهو الخالق لأن الدعوى إذا ما صدرت من واحد، ولم يظهر لها معارض، فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض. وقد ضربنا مثلا فقلنا: هب أن جماعة من أصدقائك جاءوا لزيارتك، ثم خرجوا من عندك، ووجدت أنت حافظة نقود، ولم تعرف لمن هي، ثم بعثت بخادمك ليسأل من كانوا في زيارتك، وقال كل واحد منهم: إن حافظة نقوده لم تضع منه، إلا واحدا قال: نعم، هي حافظة نقودي. وهكذا تثبت ملكية هذا القائل لحافظة النقود، إلى أن يثبت العكس. والحال هنا هكذا، فحين أبلغنا الحق أنه خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وجعل في الأرض رزق البشر، ولم يعارضه أحد، إذن: يجب أن نصدق أنه الخالق. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق لكم كل هذا الكون مسخرا أفلا تتركون له حرية أن يختار رسولا منكم إليكم؟ فما وجه الاعتراض إذن؟ يكشف الحق منطقهم حين قالوا:

لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. إذن: هم قد اعترفوا أن القرآن لا غبار عليه، لكنهم ساخطون ويعيشون في ضيق لأن هذا القرآن قد جاء على يد يتيم أبي طالب. ويكشفهم الحق أيضا فيأتي بما جاء على ألسنتهم:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء...

[الأنفال: 32]. ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا. فالعداوة هي لرسول الله، وهي عداوة حاقدة غير منطقية لأن كل واحد منكم كان إذا ملك شيئا نفيسا عزيزا عليه، فهو لا يجد أمينا عليه إلا محمدا. إذن: فلماذا لا تغشون أنفسكم في مسألة استئمان محمد على الأشياء النفيسة، ولو كنتم غير مؤمنين بصدقه. فلماذا استأمنتموه على نفائسكم؟ أليس هو محمد بن عبد الله الذي هاجر وترك علي بن أبي طالب ليرد الأمانات لأصحابها؟ إذن: فلا محمد دون مستوى الرسالة والأمانة، ولا القرآن دون المستوى، بشهادتكم أنتم بشهادتي القول والفعل. وهنا يقول الحق: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام... ﴾ [يونس: 3]. وفي موقع آخر بالقرآن يقول سبحانه:

لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[غافر: 57]. وما دام هذا الخلق العجيب قد صدر منه، فالتصرفات التي دون ذلك لا بد أن تكون مقبولة منه سبحانه وتعالى، وأن تكون لحكمة ما. وتعالوا نتحاكم إلى أنفسكم، أنتم تقولون:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٣٧٣