تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محبا مخلصا لقومه وعشيرته، وذاق حلاوة الإيمان، وحزن لأنهم لم يؤمنوا، فينبهه الحق سبحانه وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط، فلا يكلف نفسه شططا. والحق سبحانه وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حق الاختيار وسخر له الكون، ومن الناس من يؤمن، ومن الناس من يكفر، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة، ويعصي أخرى، وهذه هي مشيئة الحق ليتوازن الكون، فكل صفة خيرة إن وجد من يعارض فيها فهذا ما شاءه الله سبحانه وتعالى للإنسان، فلا تحزن يا رسول الله فالحق سبحانه وتعالى شاء ذلك. وإن غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة نقول له: إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرازق، قد كفروا به وألحدوا، وجعلوا له شركاء، فتخلقوا بأخلاق الله؟ ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ [يونس: 99]. إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان المحبة وإيمان الاختيار. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله... ﴾.

10.100

هكذا يبين لنا الحق سبحانه أن أحدا لا يؤمن إلا بإذن من الله تعالى لأن معنى أن تؤمن أن يكون إيمانك إيمان فطرة نتيجة تفكر في سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار تزخر، ورياح تصفر، كل ذلك يدل على وجود الخالق سبحانه. لكن أترك الله سبحانه وتعالى الناس للفطرة؟ لا، بل أرسل سبحانه لهم الرسل ليذكروهم بالآيات الموجودة في الكون، ولينتبه الغافل لأنه سبحانه لا يريد أن يأخذ الناس على حين غفلة. ولذلك يقول الحق سبحانه:

.. لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون

[الأنعام: 131]. لذلك ينبههم الحق سبحانه بأن هناك أشياء كان يجب أن تذكر، وكأن الحق سبحانه يبين لنا: إياكم أن تفهموا أن أحدا يخرج عن ملكي إلا بإرادتي، فأنا بخلقي له مختارا سمحت له أن يكفر أو يؤمن، وسمحت له أن يطيع أو أن يعصي. كل ذلك من أجل أن يثبت لي صفة المحبوبية. لذلك فلا أحد يؤمن إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يكفر إلا بإذنه سبحانه لأن من خلقه مختارا علم برضاء منه بما يكون من المخلوق، فالكافر لم يكفر قهرا، والمؤمن لم يؤمن قهرا من الله سبحانه. وساعة يأتي الرسول ليعرض قضية الإيمان، يتذكر الإنسان إيمان الفطرة ويقول: لقد جاء هذا الرسول بهذا المنهج ليعدل لي حياتي، فلا بد أن أرهف له السمع. وساعة يقبل العبد على الله تعالى، فسبحانه يأذن له أن يدخل إلى حظيرة الإيمان. إن العبد منا إذا ما ذهب للقاء عبد مثله له سيادة وجاه، ويدرك العبد صاحب السيادة والجاه بفضل من الله السبب الذي جاء من أجله العبد الآخر فيقول صاحب السيادة لمعاونيه: لا تدخلوه. وهو يقول ذلك لأن الله سبحانه أطلعه على ما في قلب العبد الآخر من غل ومن حقد ومن نفاق. أما إذا دق بابه عبد آخر، فتجده يأمر معاونيه أن يدخلوه وأن يفسحوا له لأنه علم بما في قلبه من محبة ورغبة في صدق اللقاء والمودة. إذا كان هذا يحدث بين العباد، وهم كلهم أغيار، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى؟ والله سبحانه هو القائل في حديث قدسي:

" من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ".

ما بالنا بالعبد إذا دخل على الإيمان بالله غير مشحون بعقيدة عدا الله. إذن: أقبل على الله سبحانه وعلى ذكر الله، وأنت إن ذكرت الله في نفسك، فالله يذكرك فيه نفسه، وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأ خير منه، فالملأ الذي ستذكره فيه ملأ خطاء، والله سبحانه سيذكرك في ملأ طاهر. ويقول الحق سبحانه في ذات الحديث القدسي:

" إن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ".

والذراع أطول من الشبر. ويقول:

" وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ".

فالمشي قد يتعب العبد، لذلك يسرع إليه الحق عز وجل، وهو سبحانه بكل ربوبيته ما إن يعلم أن عبدا قد صفا قلبه من خصومة الله تعالى في شيء، حتى يفتح أمامه أبواب محبته سبحانه، فيحبب فيه خلقه، ويجعل له مدخل صدق في كل أمر ومخرج صدق من كل ضيق، وهو الحق القائل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٤١