تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.15

نحن نعرف أن الآيات ثلاثة أنواع: آيات كونية، وهي العجائب التي في الكون ويسميها الله سبحانه آيات، فالآية هي عجيبة من العجائب، سواء في الذكاء أو الجمال أو الخلق، وقد سمى الحق سبحانه الظواهر الكونية آيات فقال تعالى:

ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر..

[فصلت: 37]. وقال سبحانه:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا..

[الروم: 21]. وهذه من الآيات الكونية. وهناك آيات هي الدليل على صدق الرسل عليهم السلام في البلاغ عن الله، وهي المعجزات لأنها خالفت ناموس الكون المألوف للناس. فكل شيء له طبيعة، فإذا خرج عن طبيعته فهذا يستدعي الانتباه. مثلما يحكي القرآن عن سيدنا إبراهيم عليه السلام أن أعداءه أخذوه ورموه في النار فنجاه الحق سبحانه من النار فخرج منها سالما، ولم يكن المقصود من ذلك أن ينجو إبراهيم من النار، فلو كان المقصود أن ينجو إبراهيم عليه السلام من النار لحدثت أمور أخرى، كألا يمكنهم الحق عز وجل من أن يمسكوه، لكنهم أمسكوا به وأشعلوا النار ورموه فيها، ولو شاء الله تعالى أن يطفئها لفعل ذلك بقليل من المطر، لكن ذلك لم يحدث فقد تركهم الله في غيهم، ولأنه واهب النار للإحراق قال سبحانه وتعالى لها:

ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

[الأنبياء: 69]. وهكذا تتجلى أمامهم خيبتهم. إذن: الآيات تطلق على الآيات الكونية، وتطلق على الآيات المعجزات، وتطلق أيضا على آيات القرآن ما دامت الآيات القرآنية من الله والمعجزات من الله، وخلق الكون من الله، فهل هناك آية تصادم آية؟ لا لأن الذي خلق الكون وأرسل الرسل بالمعجزات وأنزل القرآن هو إله واحد، ولو كان الأمر غير ذلك لحدث التصادم بين الآيات، والحق سبحانه هو القائل:

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

[النساء: 82]. وقوله تعالى: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات.. ﴾ [يونس: 15] أي: آيات واضحة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال الذين لا يرجون لقآءنا ﴾ وعرفنا أن الرجاء طلب أمر محبوب ومن الممكن أن يكون واقعا، مثلما يرجو إنسان أن يدخل ابنه كلية الطب أو كلية الهندسة. ومقابل الرجاء شيء آخر محبوب، لكن الإنسان يعلم استحالته، وهو التمني، فالمحبوبات إذن قسمان: أمور متمناه وهي في الأمور المستحيلة، لكن الإنسان يعلن أنه يحبها، والقسم الثاني أمور نحبها، ومن الممكن أن تقع، وتسمى رجاء. ﴿ الذين لا يرجون لقآءنا ﴾ هم من لا يؤمنون، لا بإله، ولا ببعث فقد قالوا:

ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر

[الجاثية: 24]. وقالوا:

أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون..

[المؤمنون: 82]. وإذا كان الإنسان لا يؤمن بالبعث فهو لا يؤمن بلقاء الله سبحانه لأن الذي يؤمن بالبعث يؤمن بلقاء الله، ويعد نفسه لهذا اللقاء بالعبادة والعمل الصالح، ولكن الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث سيفاجأون بالإله الذي أنكروه، وسوف تكون المفاجأة صعبة عليهم ولذلك قال الحق سبحانه:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا..

[النور: 39]. السراب: هو أن يمشي الإنسان في خلاء الصحراء، ويخيل إليه أن هناك ماء أمامه، وكلما مشى ظن أن الماء أمامه، وما إن يصل إلى المكان يجد أن الماء قد تباعد. وهذه العملية لها علاقة بقضية انعكاس الضوء، فالضوء ينعكس ليصور الماء وهو ليس بماء:

حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده..

[النور: 39]. إنه يفاجأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله، فهو واحد من الذين لا يرجون لقاء الله، وهو ممن جاء فيهم القول:

وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون

[السجدة: 10]. رغم أن الكون الذي نراه يحتم قضية البعث لأننا نرى أن لكل شيء دورة، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد مائيتها، ويضيع منها اللون، ثم تصير ترابا. وأنت حين تشم الوردة فهذا يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخارا، ثم تذبل وتتحلل بعد ذلك. إذن: فللوردة دورة حياة. وأنت إن نظرت إلى أي عنصر من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة خلق الله السماوات والأرض هي بعينها لم تزد ولم تنقص. وقد شرحنا ذلك من قبل. وكل شيء تنتفع به له دورة، والدورة تسلم لدورة أخرى، وأنت مستفيد بين هذه الدورات هدما وبناء. والذين لا يرجون لقاء الله، ولا يؤمنون بالبعث، ولا بثواب أو عقاب، لا يلتفتون إلى الكون الذي يعيشون فيه لأن النظر في الكون وتأمل أحواله يوجب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من الممكن أن تعود. وسبحانه القائل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٠٧