10.8
وأنت تقول: " أويت إلى كذا " ، إذا كان هذا هو المكان الذي يعصمك من شيء، وهنا يقول الحق: ﴿ مأواهم النار ﴾ فإذا كان ذلك هو المأوى، فلا بد أن ما خارجها بالنسبة لهم أشد عذابا. وهم يأوون إلى النار ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي: بسبب ما كانوا يعملون من ذنوب وسيئات. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ إن الذين آمنوا... ﴾.
10.9
هنا يتحدث الحق سبحانه عن المقابل، وهم الذين آمنوا، ويعلمنا أنه سبحانه: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾. والهداية - كما قلنا من قبل - معناها الدلالة على الخير، بالمنهج الذي أرسله الحق سبحانه لنا، وبه بين الحق السبل أمام المؤمن والكافر، أما الذي يقبل على الله بإيمان فيعطيه الحق سبحانه وتعالى هداية أخرى بأن يخفف أعباء الطاعة على نفسه، ويزيده سبحانه هدى بالمعروف لذلك قال سبحانه:
واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين
[البقرة: 45]. وهكذا يتلقى المؤمن مشقات الطاعة بحب فيهونها الحق سبحانه عليه ويجعله يدرك لذة هذه الطاعة لتهون عليه مشقتها، ويمده سبحانه أيضا بالمعونة. يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾. وما داموا قد آمنوا فسبحانه ينزل لهم الأحكام التي تفيدهم في حياتهم وتنفعهم في آخرتهم، أو أن الهداية لا تكون في الدنيا بل في الآخرة، فما دامو قد آمنوا، فهم قد أخذوا المنهج من الله سبحانه وتعالى وعملوا الأعمال الصالحة، يهديهم الحق سبحانه إلى طريق الجنة. ولذلك يقول الحق سبحانه:
يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم...
[الحديد: 12]. ويقول سبحانه:
والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم...
[التحريم: 8]. أي: أن نورهم يضيء أمامهم. أما المنافقون فيقولون للذين آمنوا:
انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا...
[الحديد: 13]. أي: أن هذا ليس وقت التماس النور، فالوقت - لالتماس النور - كان في الدنيا باتباع المنهج والقيام بالصالح من الأعمال. إذن: فالحق سبحانه يهدي للمؤمنين نورا فوق نورهم في الآخرة. والآية تحتمل الهداية في الدنيا، وتحتمل الهداية في الآخرة. ويصف الحق سبحانه حال المؤمنين في الآخرة فيقول: ﴿ تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ﴾ [يونس: 9]. وقلنا: إن الجنة على حواف الأنهار لأن الخضرة أصلها من الماء. وكلما رأيت مجرى للماء لا بد أن تجد خضرة، والجنات ليست هي البيوت، بدليل قول الحق سبحانه:
ومساكن طيبة في جنات عدن...
[التوبة: 72]. ونجد الحق سبحانه يقول مرة:
تجري تحتها الأنهار...
[التوبة: 100]. ويقول سبحانه في مواضع أخرى:
تجري من تحتها الأنهار...
[البقرة: 25]. والحق سبحانه يعطينا صورا متعددة عن الماء الذي لا ينقطع، فهي مياه ذاتية الوجود في الجنة لا تنقطع أبدا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم... ﴾.