تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[سبأ: 3]. والكلام هنا عن الساعة، وعلمها عند الله تعالى، ولم تنزل من السماوات إلى السماء الدنيا حتى نقول للمكلفين في الأرض: قوموا ها هي الساعة. ولذلك جاء الحديث هنا عن السماوات أولا لأن علم الساعة عند ربي، ولن ينزل إلا بمشيئته سبحانه. وهكذا جاء كل أسلوب لا بإجمال المعنى، ولكن بدقة جزئياته، فتكلم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وآية سبأ عن العلم والذرة، والسماء والأرض، وكل آية جاءت الكلمات فيها بتقديم أو تأخير يناسب مجالها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ [يونس: 61]. ولنا أن نلتفت إلى أن الاستثناء هنا لا يخرج ما قبله، بل كل شي مكتوب في الكتاب المبين، ونحن في الدنيا نجد الإنسان إن كان له دين عند آخر فهو يحتفظ بالوثائق المكتوبة التي تسجل ما له وما عليه. ولكن، أيحتفظ الحق سبحانه بأعمالنا ونياتنا مكتوبة كحجة له، أم حجة لنا؟ إنه سبحانه يعلم أزلا كل أعمالنا، ولكنه يسجل لنا بالواقع تلك الأعمال والنيات لنعلم عن أنفسنا ماذا فعلنا لتنقطع حجة من أساء إذا وقع به العقاب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ألا إن أوليآء الله... ﴾.

10.62

وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلمنا أنه قد يفيض على بعض خلقه فيوضات الإمداد على قدر رياضات المرتاضين، فهب أن الله قد امتن عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وعلى ذلك فلا يقال: إن فلانا قد علم غيبا لأنه ولي لله، بل لنقل: " إن فلانا معلم غيب " لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ليس غيبا مطلقا. ومثال ذلك: الرجل الذي سرق منه شيء، هو لا يعرف أين يوجد الشيء الذي سرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضا الجن الذين كانوا في نفس مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيبا مطلقا. وأيضا أسرار الكون التي كانت غيبا موقوتا، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيبا في زمن ما، ثم شاء الحق سبحانه فحدد لكل أمر منها ميعاد كشف، فصارت أمورا مشهورة. وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون. ومن العجيب أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفا آخر لأن الله تعالى قد أذن لذلك الكشف الذي كان غيبا أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض. ومن اكتشف " البنسلين " رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن أسرار ذلك، واكتشف " البنسلين ". و " أرشميدس " الذي اكتشف قانون الطفو، واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد تم اكتشاف قانون الطفو صدفة. إذن: ففي الكون غيب قد يصير مشهدا، إما بمقدمات يتابعها خلق الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر. ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مغطى يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليخرج بعضا من البخار، وانتبه الرجل إلى أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجر العربات التي تسير على عجل، وهكذا جاء عصر البخار. إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيها من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل ليكتشف سرا من تلك الأسرار. وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله بميلادها - دون مقدمات من الخلق - أكثر مما وصل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق. ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لوني الغيب، تعبيرا دقيقا لنفهم أن هناك غيبا عن الخلق جميعا وليست له مقدمات، ولا يشاء الله سبحانه له ميلادا، واستأثر الله بعلمه فلا يعلمه إلا هو سبحانه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٨٠