تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.78

وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية، ينسبونها لموسى - عليه السلام - رغم أن موسى عليه السلام قد نسب مجيء المعجزة إلى الله تعالى. وكان واجب المرسل إليه - فرعون وملئه - أن ينظر إلى ما جاء به الرسول، لا إلى شخصية الرسول. ولو قال فرعون لموسى: " جيء بك " لكان معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلها أعلى، ولكن فرعون لم يؤمن لحظتها لذلك جاء قوله: ﴿ أجئتنا ﴾ فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى عليه السلام. ولماذا المجيء؟ يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: ﴿ أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا.. ﴾ [يونس: 78]. والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له، وما دام الإنسان بصدد شيء فكل نظره واتجاهه يكون إليه، وكان قوم فرعون على فساد وضلال، وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال. وجاء موسى عليه السلام ليصرف وجوههم عن ذلك الفساد والضلال، فقالوا: ﴿ أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا.. ﴾ [يونس: 78]. وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم، فقد كانوا يقلدون آباءهم، والتقليد يريح المقلد، فلا يعمل عقله أو فكره في شيء ليقتنع به، ويبني عليه سلوكه. والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول: " مثل الأطرش في الزفة " أي: أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة، بل يسير مع الناس حيث تسير ولا يعرف له اتجاها. والمقلد إنما يعطل فكره، ولا يختار بين البدائل، ولا يميز الصواب ليفعله، ولا يعرف الخطأ فيتجنبه. وفرعون وملؤه كانوا على ضلال، هو نفس ضلال الآباء، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار، بل قد يحقق شهوات عاجلة. أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع منهج السماء، فهو يحجب الشهوة، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد الشهوة. إذن: فالمقلد بين حالتين: الحالة الأولى: أنه لا يعمل عقله، بل يفعل مثل من سبقوه، أو مثل من يحيا بينهم. والحالة الثانية: أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج، فلا يكسب - على سبيل المثال - إلا من حلال، ولا يفعل منكرا، ولا يذم أحدا، وهكذا يقيد المنهج حركته، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين، فالحركة تتسع ناحية الشهوات. ولذلك أقول دائما: إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد، وقد يقول للآباء: أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان، لكن إن تشرب النشء القيم الدينية الصحيحة فسيمتثل لقانون الحق، ويحجز نفسه عن الشهوات.

ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران السوء، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد. لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج الله تعالى فلا يقلدون آحدا من أهل السوء لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب. ثم إن تقليد الآباء قد يجعل الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال العقل في كل الأمور، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى الأفضل إن اتبع الآباء منهج الله تعالى، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج الحق سبحانه، فلا يتمرد الابن متجها إلى الشر، بل قد يتمرد إلى تطوير الصالح ليزيده صلاحا. التقليد - إذن - يحتاج إلى بحث دقيق لأن الإنسان الذي سوف تقلده، لن يكن مسئولا عنك لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل:

يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا..

[لقمان: 33]. إذن: فأمر الابن يجب أن يكون نابعا من ذاته، وكذلك أمر الأب، وعلى كل إنسان أن يعمل عقله بين البدائل. ولذلك تجد القرآن الكريم يقول على ألسنة من قلدوا الآباء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥١٤