وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد آخر يقوم بالتكاليف وحدها. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ﴾ [يونس: 64]. وما دام الحق سبحانه قد قال: ﴿ لا تبديل لكلمات الله.. ﴾ فلن تجد أحدا قادرا على ذلك، كما أن الخلق مقهورون كلهم يوم القيامة ومن كان يبيح له الله تعالى أن يملك شيئا في الدنيا لم يعد مالكا لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق سبحانه:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبى على حكم الله تعالى، والوعد بالبشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا... ﴾.
10.65
تجيء هذه الآية بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم لذلك طلب منه الحق سبحانه ألا ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ومفتر، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى عليه وسلم ساحرا فلماذا لم يسحرهم هم أيضا، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟! إذن: كذب قولهم في أنه صلى الله عليه وسلم سحر عبيدهم وأولادهم. وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم أدنى أثر من جنون، وفند أقوالهم هذه بقوله سبحانه:
ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 1-4]. فالمجنون لا يكون على خلق عظيم أبدا. وحين قالوا: إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان. وقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يحزنك قولهم.. ﴾ [يونس: 65] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة لأن ﴿.. العزة لله جميعا.. ﴾ [يونس: 65] والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المطلق لأنه لا إله إلا هو لا يغلب ولا يقهر. وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف " الميم " فوق كلمة ﴿ قولهم ﴾ وتعني: ضرورة الوقف هنا. ولسائل أن يقول: كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم مبني على الوصل وآخر حرف في كل سورة تجده منونا، وليس في القرآن ما يلزم الوقف للقارىء؟ وأقول ردا على هذا التساؤل: إن العلماء حين لاحظوا ضعف ملكة اللغة جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارىء - الذي لا علم له بالبيان العربي - كيف يقرأ هذه الآية، فهب أن واحدا لا يملك فطنة الأداء، فينسب ﴿.. إن العزة لله جميعا.. ﴾ [يونس: 65] إلى ﴿ ولا يحزنك قولهم.. ﴾ [يونس: 65]. ويخطىء الفهم، ويظن - معاذ الله - أن العزة لله هي أمر يحزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقق القراءة ونحسن الفهم. ولذلك علينا أن نقرأ ﴿.. ولا يحزنك قولهم.. ﴾ [يونس: 65] ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة ﴿ إن العزة لله جميعا.. ﴾ [يونس: 65] وبهذا نفهم المعنى: يجب ألا تحزن يا محمد لأن أقوالهم لن تغير في مجرى حتمية انتصارك عليهم. ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه.
وبين له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حجة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه:
وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم..